رأي

أزمة الدولة السودانية في خطاب الحاكم العسكري 

مها طبيق

 

مها طبيق 

بعد سبعة عقود من نشوء الدولة السودانية ما بعد الاستعمار ، يقف السودان اليوم بوصفه نموذجًا مكتمل الأركان لدولة فاشلة . ما يزيد عن 52 مليون مواطن بين نازح ولاجئ ومهدد ، حرب أهلية رابعة يمكن توصيفها بدقة بأنها ( حرب المهانة ) ، واقتصاد حرب يستنزف الإنسان والموارد . نصف حملة السلاح من الأطفال دون سن الثامنة عشرة ، في ظل انهيار شبه كامل للتعليم والخدمات الأساسية ، وتحول النزوح إلى واقع دائم داخل البلاد وخارجها . السودان يشهد اليوم إحدى أكبر الكوارث الإنسانية المعاصرة ، مع نزوح جماعي من دارفور وكردفان ، وتوسع دوائر الخوف وعدم اليقين حتى في المدن التي كانت تُعد مستقرة نسبيًا .

 

من بورتسودان ، العاصمة المؤقتة بعد أن هجرت الخرطوم سكانها ، ألقى الجنرال عبد الفتاح البرهان خطاب الذكرى السبعين لتأسيس الدولة . الخطاب ، في نبرته ومضمونه ، عكس إنهاكًا نفسيًا وسياسيًا واضحًا ، ومحاولة لإعادة إنتاج سردية قديمة تقوم على احتكار الوطنية ، وشيطنة الخصوم ، وتبرير استمرار الحرب تحت شعارات فقدت مضمونها . ورغم حديثه عن “تأسيس دولة المواطنة” ، لم يقدم الخطاب تعريفًا عمليًا للمواطنة ، ولا آليات لبنائها ، ولا اعترافًا صريحًا بالمسؤولية عن انهيار الدولة . الإشارة الإيجابية الوحيدة تمثلت في الاعتراف الضمني بعدم وجود دولة مواطنة فعلية حتى اللحظة . غير أن الخطاب تجاهل حقيقة مركزية ألا وهي أن الحرب الحالية نتيجة مباشرة لبنية دولة إقصائية ، عسكرية ، وعنصرية في جوهرها ، وأن استمرارها يعني مزيدًا من التفكك الجغرافي والسياسي .

 

في الواقع الفعليً ، انقسم السودان إلى مناطق حكم شبه مستقلة ، بلا شرعية انتخابية ، ولا أطر دستورية ، ولا مؤسسات رقابية . السلطة في هذه المناطق تقوم على القوة المسلحة دون تفويض شعبي مما يجعل مفهوم الدولة نفسه موضع مساءلة . هذا التشظي حصيلة تاريخ طويل من إدارة البلاد بمنطق المركز ، وتهميش الأطراف ، وتسليح المجتمع بدل بنائه ، ما أفرز سلطات أمر واقع عاجزة عن إنتاج استقرار أو حماية حقوق الإنسان .

 

تكمن الأزمة السودانية في بنية سياسية واجتماعية أعادت إنتاج نفسها لعقود . ويمكن اختزال جذور الأزمة في ثلاث دوائر متداخلة وهي العنصرية المؤسسية والمجتمعية

التي أسست لهرم سلطوي غير متكافئ ، وحوّلت الهوية إلى أداة إقصاء ، وأنتجت دولة قائمة على الامتياز مع إلغاء المواطنة . كذلك الجهل المنهجي ورفض المعرفة حيث جرى إضعاف التعليم ، وتجفيف الوعي النقدي ، وتكريس الطاعة بدل المساءلة ، ما سهّل عسكرة المجتمع وتطبيع العنف . بالإضافة إلى الهمجية السياسية والعسكرية بوصفها نتيجة مباشرة لتحالف السلطة والسلاح والجهل ، حيث أصبح العنف وسيلة للحكم . هذه العناصر حيثما اجتمعت ، تُنتج حروبًا بلا أفق ، وتغلق الطريق أمام أي تحول ديمقراطي حقيقي .

 

ما يعيشه السودان اليوم هو انهيارًا بنيويًا لنموذج الدولة نفسه. استمرار الحرب هو استمرار لمنظومة فشلت أخلاقيًا وسياسيًا ، وأي حديث عن “السيادة” أو “الكرامة” دون مواجهة هذه الجذور ليس سوى إعادة تدوير للانهيار والفشل .

الخروج من المأزق يبدأ بالاعتراف بأن الدولة التي بُنيت على الإقصاء لا يمكن إصلاحها بالأدوات ذاتها ، وأن الانتقال من منطق القوة إلى منطق الحقوق هو شرط بقاء .

مها الهادي طبيق

3 يناير 2026

mahatebig@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!