رأي

​نرجسية المركز وأوهام النقاء العرقي قراءة في سيكولوجية الإقصاء السياسي وتفتيت الهوية الوطنية

فيصل ابكر شرف

الكل ضد الكل 

فيصل أبكر شرف 

​تثبت شواهد التاريخ أن الأقليات المهيمنة تلجأ دوما لتزييف الهوية الوطنية لضمان بقائها في السلطة فكما استندت النخبة العلوية في سوريا إلى هيكلة طائفية أمنية أقصت الغالبية ووصمتها بالتبعية للخارج فعلت نخب المركز النيلي في السودان التي ورثت امتيازات الاستعمار لتمارس استعلاء عرقيا ينفي صفة السودانية عن أهل الأرض الحقيقيين إن الوقاحة السياسية التي تمارسها هذه النخب وتحديدا تلك المجموعات المنحدرة من ثقافة الجعل والشوايقة لم تعد مجرد تزييف للتاريخ بل صارت خنجرا مسموما يمزق أحشاء الوجود السوداني فهذه القوى التي نصبت نفسها حارسا على بوابة الوطنية تقتات على وهم مريض يمنحها الحق في توزيع صكوك الانتماء وتهم الأجنبية على أهل الأرض الحقيقيين

​فبأي منطق أخلاقي أو سياسي تجرؤون على وصف إنسان الغرب بالتشادي وإنسان الشرق بالعارض الإريتري وإنسان الجنوب باليوغندي والكنسي بينما تلوذون بصمت مخجل حين يوضع أصلكم المجهول تحت مجهر البحث التاريخي إن كانت الامتدادات الحدودية تهمة تنفي الوطنية فإن أول من يسقط في اختبار الانتماء هم أنفسكم فأنتم مقطوعو الجذور في هذا المحيط الإقليمي فلا نجد لكم امتدادا قبليا أو تاريخيا في تشاد أو إريتريا أو إثيوبيا أو يوغندا بل وحتى في دول الخليج العربي والشرق الأوسط نجد أن لقبائل مثل الرشايدة والزبيدية امتدادات عريقة وعابرة لكل الحدود الخليجية وتواصلا تاريخيا موثقا أما أنتم فليس لكم أي امتداد أو أثر في أي خارطة مجاورة

​وهنا يبرز السؤال الوجودي الصاعق إذا لفظكم السودان اليوم فأين تذهبون ومن سيقبل بكم هل ستفتح لكم مصر أبوابها باعتباركم امتدادا تاريخيا لها أم ستحتضنكم السعودية أو أي دولة عربية أخرى تزعمون الانتماء إليها إن الحقيقة المرة هي أنكم بلا عمق حقيقي خارج هذا الحيز الذي تحاولون تمزيقه فأنتم لستم إلا نتاج هجرات تائهة ومخلفات المستعمر التي استقرت على النيل وصنعت لنفسها تاريخا من الأوهام إن هذا الاستعلاء ليس إلا تعبيرا عن سيكولوجية عنصرية دفاعية تحاول إسقاط أزماتكم النفسية وانعدام جذوركم على الآخرين لتغطية عورات انتمائكم المهزوز

​والمحزن حقا والمثير للازدراء هو ذلك النموذج المنكسر من الذين ذهبوا وتحالفوا مع النخبة في بورسودان واضعين رقابهم تحت مقصلة التبعية إن صمت هؤلاء عار وهم يمثلون نموذج طأطأة الرأس والقبول بالدونية المطلقة مقابل فتات السلطة والمال هؤلاء الذين ارتضوا الدونية هم الوجه الآخر للعنصرية فبينما يذبحهم المركز بسياساته يختارون هم الانحناء والفيصلية الموجهة التي تخدم الجلاد نحن هنا لنواجهكم ونواجه هؤلاء المرجفين بذات اللغة التي تفهمونها ولن نطأطئ الرأس بعد اليوم بل سنواجه عنصريتكم بعنصرية المقاومة حتى نرى من منكم يملك حق البقاء في هذا الطين فنحن أصلا لا نحترم وجودكم الإقصائي ولا نعترف بسيادتكم المصطنعة

​إن هذا الخطاب الإقصائي هو الذي أدى بالأمس لفصل جنوب السودان الحبيب بناء على دعاوى عنصرية بغيضة مارستها ذات النخبة التي ضحت بوحدة التراب من أجل بقائها في كراسي الخرطوم إن تلك الجمهورية الأولى البائسة التي لم تكن سوى وكر للمؤامرات ومقبرة للوحدة الوطنية ومرتع لمخلفات الاستعمار قد انتهى زمانها إلى الأبد وهي تواجه اليوم حكم التاريخ بالكنس والمحاكمة والآن تطل الجمهورية الثانية المجيدة كقدر محتوم لتنتزع الحق من مخالب الطغيان ولتحكم بالعدالة المطلقة فوق أنقاض مركزيتكم المهترئة إنها جمهورية الهامش الذي استرد وعيه والجمهورية التي ستسحق إرث التهميش وتدمر أصنام الاستعلاء العرقي إلى غير رجعة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!