
د. حافظ إبراهيم عبدالنبي
منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، ظلت السياسة الأميركية أسيرة مقاربة حذِرة، تتقدّم فيها اللغة الإنسانية على الفعل السياسي، ويغيب عنها الاشتباك الجاد مع الجذور البنيوية للصراع وأسبابه العميقة. وقد جاءت تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لتؤكد هذا النهج، حين ركّزت على أولوية وقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، في وقتٍ تتصاعد فيه وتيرة العنف المنهجي، ويتحوّل المدنيون إلى أهداف مباشرة للحرب.
خطاب أخلاقي بلا تسمية للمسؤولية
وصف روبيو الوضع في السودان بأنه “مروّع”، وهو توصيف صادق من حيث النتائج الإنسانية، لكنه يظل قاصرًا سياسيًا ما لم يُقرن بتحديد واضح للمسؤوليات. فالخطاب الأميركي يتجنّب تسمية الأطراف التي تعمّدت إفشال كل مسارات التهدئة، ورفضت أي حلول يمكن أن تقود إلى تسوية سياسية شاملة، مكتفيًا بدعوات عامة لوقف القتال، الأمر الذي أفرغ هذه الدعوات من مضمونها العملي، وحوّلها إلى مواقف أخلاقية بلا أثر رادع.
سلطة الأمر الواقع ورفض الحل السياسي
في قلب هذا التعقيد، تقف سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، التي تقودها الحركة الإسلامية وتحالفات الهوس الديني، بوصفها أحد أبرز معرقلي أي مسار سياسي جاد. فقد أظهرت هذه السلطة رفضًا صريحًا ومتكررًا لأي حلول تفاوضية يمكن أن تفضي إلى إنهاء الحرب، مفضّلةً خيار التصعيد العسكري بوصفه أداة لإعادة فرض السيطرة وإقصاء الخصوم، ولو كان الثمن هو تدمير المجتمع نفسه وتفكيك نسيجه الاجتماعي.
تصعيد ممنهج وإبادة للمدنيين
لم يقتصر هذا الرفض على المواقف السياسية، بل تُرجم ميدانيًا إلى تصعيد خطير في استهداف المدنيين، عبر الاستخدام المكثف للطيران المسيّر في قصف القرى والتجمعات السكانية. وقد بلغ هذا النهج ذروته في الجرائم الأخيرة التي طالت مجتمعات كاملة في الزُرُق، غرير، أبو قمرة، والفردوس خلال هذا الأسبوع، حيث أُبيدت قرى بأكملها، وسقط أعداد كبيرة من المدنيين بين قتيل وجريح، في عمليات لا يمكن توصيفها إلا كجرائم حرب وإبادة جماعية جزئية، تستهدف كسر إرادة المجتمعات المحلية عبر الرعب الجماعي والعقاب الجماعي.
من حلّ الصراع إلى إدارته
في هذا السياق، تكشف تصريحات وزير الخارجية الأميركي حدود المقاربة الأميركية، التي ما زالت تدور في فلك “إدارة الأزمة” بدل تفكيكها. فالدعوة إلى وقف إطلاق النار، حين تُطرح بمعزل عن محاسبة الجناة ووقف آلة القتل، تتحوّل إلى مطلب إنساني معلّق في الفراغ، لا يردع الطيران المسيّر، ولا يحمي المدنيين من القصف اليومي، ولا يغيّر سلوك الأطراف المتورطة في الحرب.
تصريحات ترامب: براغماتية باردة واستمرار إدارة الدم
تأتي تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب اليوم لتُكمل صورة المقاربة الأميركية تجاه السودان، لا لتكسرها. فالرئيس ترامب، الذي شدّد على ضرورة “وقف القتال” ومنع “انزلاق السودان إلى فوضى أوسع”، أعاد إنتاج الخطاب ذاته القائم على خفض التصعيد بوصفه غاية بحد ذاته، لا مدخلًا لمعالجة جذور الصراع أو مساءلة الأطراف التي تدير الحرب وتغذّيها.
وبرغم اختلاف نبرة ترامب البراغماتية عن اللغة الأخلاقية التقليدية لوزارة الخارجية، إلا أن المضمون يظل واحدًا: التعامل مع السودان كملف أمني قابل للاحتواء، لا كدولة مختطفة تحتاج إلى تفكيك منظومة العنف المسيطرة عليها. فالدعوة إلى وقف إطلاق النار، حين تصدر عن أعلى هرم السلطة الأميركية من دون تحديد واضح للجناة، ولا تهديد بعقوبات أو مساءلة، تتحول إلى رسالة ضمنية مفادها أن استمرار القتل لا يحمل كلفة سياسية حقيقية.
الأخطر في خطاب ترامب أنه يكرّس منطق “الاستقرار بأي ثمن”، حتى لو كان هذا الثمن هو تطبيع الأمر الواقع الذي تفرضه سلطة الحرب في بورتسودان. وبهذا المعنى، لا تمثل تصريحات اليوم تحولًا في السياسة الأميركية، بل تأكيدًا على اتساقها عبر الإدارات المختلفة في الاكتفاء بإدارة الصراع، ولو كان ذلك على حساب دماء المدنيين ومستقبل الدولة السودانية.
السودان كملف استقرار لا كقضية دولة
تعكس هذه المواقف مجتمعة أن واشنطن ما زالت تنظر إلى السودان باعتباره ملف استقرار إقليمي ومنع فوضى، لا قضية دولة منهوبة تحتاج إلى إعادة تأسيس. فجوهر الأزمة—المتمثل في هيمنة تحالف السلاح والأيديولوجيا الدينية على الدولة، واختلال العلاقة التاريخية بين المركز والأقاليم—ما زال خارج دائرة الاشتباك السياسي الدولي الجاد، ويُختزل السودان في معادلة أمنية لا في مشروع دولة مواطنة.
البعد القانوني: من الجرائم إلى المساءلة الدولية
إن الاستهداف المتعمّد للمدنيين وقصف القرى والتجمعات السكانية بالطيران المسيّر، كما جرى في الزُرُق وغرير والفردوس وأبو قمرة، يرقى قانونًا إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفقًا لأحكام القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي. فالهجمات التي لا تميّز بين أهداف عسكرية ومدنية، وتُنفّذ بصورة منهجية ومتكرّرة، تُنشئ مسؤولية جنائية فردية للقادة والفاعلين، بصرف النظر عن مواقعهم أو ادعاءات السيادة.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية المحكمة الجنائية الدولية بوصفها الآلية القضائية المختصة بملاحقة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية، كما تبرز مسؤولية المجتمع الدولي في تفعيل أدواته القانونية—من الإحالة والتحقيق إلى فرض العقوبات وتقييد تدفقات السلاح—لوقف هذه الجرائم وحماية المدنيين. إن الصمت الدولي أو الاكتفاء ببيانات القلق لا ينتج سوى الإفلات من العقاب، ويشجّع على تكرار الإبادة، بينما المطلوب تحرّك دولي عاجل يضع حدًا لاستخدام القوة الجوية ضد المدنيين، ويفتح مسارًا جادًا للمساءلة والعدالة، بوصفهما شرطين لا غنى عنهما لأي سلام مستدام.
خاتمة
إن تصريحات وزير الخارجية الأميركي وتصريحات الرئيس الأميركي، على اختلاف نبرتها، تعبّر عن قلق إنساني وبراغماتي مشروع، لكنها تظل دون مستوى الكارثة الجارية ما لم تُقترن بسياسة واضحة تسمّي معرقلي السلام، وتواجه سلطة الأمر الواقع التي اختارت الحرب والإبادة بدل السياسة. فالحرب في السودان لن تتوقّف ببيانات القلق ولا بنداءات وقف إطلاق النار المجرّدة، بل بضغط دولي حاسم يوقف استهداف المدنيين، ويُخضع مرتكبي الجرائم للمساءلة، ويفتح الطريق أمام حل سياسي يعيد بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة، لا على أنقاض القرى المحترقة.




