
عبد الرحمن أبو رندة .. بنسلفانيا
لم تعد أزمات السودان قابلة للاختزال في سؤال الهوية أو صراع السلطة بين مركز وأطراف، فهذه المقاربات، على أهميتها التاريخية، لم تعد تفسّر وحدها عمق الانهيار ولا اتساع الحروب. ما يواجهه السودان اليوم هو أزمة دولة شاملة، أزمة بنيوية في الفكرة والممارسة، نتجت عن اختطاف طويل الأمد لمفهوم الدولة نفسها لصالح نخب محدودة، عسكرية ومدنية، أدارت البلاد بمنطق الامتياز والخصوصية لا بمنطق الحق العام والمواطنة.
على مدى سبعة عقود، لم تُبنَ الدولة السودانية باعتبارها إطاراً جامعاً لإدارة الموارد وحماية المجتمع وتحقيق التنمية، بل كغنيمة سياسية واقتصادية. تعاقبت نخب الحكم، لكن جوهر الدولة لم يتغير: مركز يحتكر القرار، واقتصاد موجّه لخدمة قلة، وموارد تُهدر عمداً خارج أي تخطيط وطني عقلاني. من هنا، فإن الحروب لم تكن انحرافاً عن مسار الدولة، بل كانت نتيجة طبيعية لدولة أُفرغت من معناها ووظيفتها.
الأزمة الاقتصادية في السودان ليست أزمة مالية عابرة، ولا نتاج ظرف طارئ، بل هي أزمة بنيوية عميقة سببها الإهدار المتعمد للموارد العامة، وسوء إدارتها لحساب شبكات نفوذ رسّخت اقتصاد الريع بدل اقتصاد الإنتاج. الزراعة، وهي العمود الفقري الطبيعي للاقتصاد، تُركت بلا بنية تحتية أو سياسات حديثة، بينما أُهملت الصناعة، وتآكلت القدرة التصديرية، وفقد الاقتصاد استقلال قراره لصالح مصالح ضيقة. أي حديث عن إعادة بناء الدولة لا يبدأ من تفكيك هذا النموذج الاقتصادي المختطف، سيبقى مجرد خطاب سياسي بلا أثر.
لكن الاقتصاد ليس معزولاً عن الاجتماع. فالدولة التي فشلت في إدارة مواردها، فشلت أيضاً في إدارة تنوعها الاجتماعي. لم تعمل على بناء نسيج اجتماعي قائم على العدالة والإنصاف، بل غذّت الانقسامات، وأدارت التعدد عبر سياسات الإقصاء أو التسييس، ما أنتج صراعات ممتدة بين المجتمعات المحلية حول الأرض والموارد وسبل العيش. هذه الصراعات ليست قدراً ثقافياً أو نزاعاً تقليدياً، بل انعكاس مباشر لغياب دولة عادلة تنظم المصالح وتحمي الحقوق.
إعادة تعريف الدولة في السودان تتطلب تجاوز الفهم التقليدي الذي يحصرها في السلطة السياسية أو شكل الحكم. الدولة، في معناها الجوهري، هي عقد عملي بين المجتمع والموارد والمؤسسات. هي القدرة على إدارة المياه والطاقة والزراعة والبيئة بصورة مستدامة، وضمان حق الأجيال القادمة، لا استنزاف الحاضر لصالح قلة. وهي كذلك مسؤولية في إعادة بناء الإنسان السوداني، عبر التعليم، والصحة النفسية والاجتماعية، ومعالجة آثار الحرب الطويلة التي دمّرت الثقة والانتماء.
أما في المجال الأمني، فالمعضلة ليست فقط في تبعية القوة للسلطة المدنية، بل في غياب تصور شامل للأمن القومي بوصفه حماية للإنسان والموارد والبنية التحتية. الأمن لا يُختزل في السلاح، بل في دولة قانون قادرة على المساءلة، وعلى منع استخدام العنف كأداة سياسية أو اقتصادية. دون إطار قانوني صارم يحاسب من أداروا الدولة بمنطق الامتياز، ستظل أي إعادة هيكلة مجرد إعادة توزيع للأدوار لا تغييراً في الجوهر.
السياسة الخارجية بدورها لا يمكن أن تقوم على ردود أفعال أو شعارات عامة. السودان يملك موقعاً استراتيجياً فريداً، وموارد تؤهله ليكون فاعلاً إقليمياً، لا تابعاً أو ساحة صراع. لكن ذلك مشروط بوجود دولة تمتلك قرارها الاقتصادي، وتعرف كيف توظف التكامل الإقليمي لخدمة التنمية، لا لخدمة النخب.
إن جوهر الأزمة السودانية هو أن الدولة اختُطفت، والحروب هي أحد أعراض هذا الاختطاف. والطريق إلى السلام لا يمر عبر تسويات شكلية أو إعادة إنتاج ذات النخب، بل عبر تأسيس دولة جديدة على أسس العدالة، والاستدامة، والمساءلة. دولة تُستعاد فيها الموارد إلى المجال العام، ويُعاد فيها تعريف السلطة بوصفها خدمة لا امتيازاً. دون ذلك، ستظل الحروب تتكرر، بأسماء مختلفة، داخل الدولة ذاتها.




