مقال الخميس : في الذكرى السابعة لثورة ديسمبر المجيدة:لكيلا ننسى.. ما فعلوه (1-2)!!
دكتور عمر القراي

(هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) صدق الله العظيم
د. عمر القراي
التحية للثوار، الذين خرجوا في عدد من المدن السودانية، في يوم 19 ديسمبر، يذكروننا بثورة ديسمبر المجيدة، التي كدنا ننساها وسط ركام التضليل، والأوهام والأباطيل، ويؤكدون العهد لشهدائنا الابرار، الذي سقطوا – قبل سنوات – فداء للشعب السوداني، في ملحمة من أعظم ملاحم البطولة الخالدة في تاريخ الشعوب. فرغم القتل، والسجن، والجوع، والنزوح، والتشريد، رفعوا صوتهم للعالم، بأن الثورة باقية، وخالدة، وبالغة أمرها، مهما تضافرت عليها المكائد، والمصائب، والاكاذيب، لتحجب نورها، عن بصائر أبناء شعبنا الصابر.
لماذا قامت ثورة ديسمبر 2018م؟
قامت ثورة ديسمبر نتيجة لجرائم، ولمظالم، ومفاسد، متراكمة على مدى ثلاثين عاماً. فقد جاءت حكومة الإنقاذ، بانقلاب عسكري في يونيو 1989م، خططت له، ونفذته الحركة الإسلامية. وفي أول خدعها للشعب، ذكرت أن حكومة الإنقاذ لا علاقة لها بالحركة الإسلامية، وإمعاناً في التضليل، قامت باعتقال رئيس الحركة الإسلامية الترابي رحمه الله ضمن رؤساء الأحزاب المعتقلين!! لكن الاخوان المسلمين سرعان ما كشفوا عن وجههم القبيح، وبدأوا بعجلة، في التخلص من خصومهم السياسيين، والتنكيل بهم، وإرهاب الشعب، بهذه الجرائم.. فأنشأوا بيوت الاشباح، لتعذيب المعتقلين، وقتلهم، أو اعاقتهم، فقتلوا دكتور علي فضل، بمسمار دقوه على رأسه!! وقتلوا عدد من المعتقلين، واعاقوا، وأذهبوا عقول آخرين، تحت وطأة التعذيب الوحشي، واغتصبوا النساء والرجال، في مكاتب أجهزة الأمن، وفي بيوت الاشباح. وحلوا الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، وفصلوا مئات الآلاف من المسؤولين، والموظفين، والعمال، وسموا قطع ارزاقهم “إحالة للصالح العام”!! وعينوا أعضاء التنظيم، وإن لم يكونوا مؤهلين، في أعلى المناصب، بمختلف الوزارات، وكافة المؤسسات، وسموا ذلك سياسة “التمكين”، كما ذكر علي عثمان نائب رئيس البشير المخلوع!! ومن اظهر نتائج “التمكين” أنهم منعوا، منذ عام 1990م، دخول الكلية الحربية، لأي مواطن سوداني، ما لم يُزكى بواسطة تنظيم الاخوان المسلمين. فكانت فرص التعيين تُفتح، والناس يتقدمون، ويجتازون الامتحان والشروط المطلوبة على أكمل وجه، ثم لا يعينون!! ولكن تأتي القائمة المرادة من التنظيم، ولا يعين أحد خارج تلك القائمة!! حتى لم يبق في الجيش في موقع قيادي غير أعضاء تنظيم الإخوان المسلمين.
هل هذا كل ما فعلوه؟!
لا!! فقد صعّد الإخوان المسلمون الحرب مع جنوب السودان، منذ عام 1990م. وحولها الى حرب دينية، رفعوا فيها شعار الجهاد ضد الكفار!! ووجهوا اعلامهم الكاذب، الى تجنيد الشباب، باعتبار أن الحرب جهاد في سبيل الله، وأقاموا اعراس الشهيد للقتلى، وابلغوا أهلهم بأنهم الآن في الجنة، ولكل منهم سبعين من الحور العين!! وصوروا صراعهم السياسي مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، على أنه دفاع عن الوطن، امام المتمردين، الذين يريدون تدمير السودان!! فقتلوا حوالي نصف مليون مواطن سوداني، من جنوب السودان، والآلاف من شمال السودان، من المضللين المساقين للحرب بجهلهم، ومن الذين اجبروا عليها بالتجنيد الاجباري. ثم هاجموا جبال النوبة، ورموا على أهلها البسطاء، البراميل المشتعلة، واعتبروا ذلك من الجهاد في سبيل الله. وهدموا الكنائس، وحرقوا القرى، وقتلوا النساء والأطفال، والحيوانات. وكذلك فعلوا في جنوب النيل الأزرق.
وبعد سنوات من الدمار، حين لم ينجحوا عسكرياً، وقّعوا مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، اتفاقية السلام الشامل. وقبلوا بناء عليها، أن يكون د. جون قرنق، المسيحي، النائب الأول لرئيس الجمهورية، التي كانت تدعي الجهاد ضد الكفار!! ثم لعلمهم بأن الاتفاقية تعطي الجنوب، بعد 6 سنوات حق تقرير المصير، عمدوا الى الإساءة للإخوة الجنوبيين، واستفزازهم، وعزلوا كوادر الحركة الشعبية التي شاركتهم الحكم، حسب الاتفاقية، عن أي قرار، وضيقوا على الجنوبيين، حتى اختاروا الانفصال، حين تم الاستفتاء عليه.
هل وقفت جريمة الحرب عند الجنوب وجبال النوبة والنيل الأزرق؟
كلا!! فحين وقع الاختلاف حول السلطة والثروة، بين الاخوان المسلمين عام 1999م، حدثت المفاصلة، وانقسموا الى مؤتمر وطني بقيادة عمر البشير، ومؤتمر شعبي بقيادة حسن الترابي. ولم يكن خلافهم يتحلى بأخلاق الدين، أو بالقيم الإنسانية المدنية، فوضعوا مرشدهم في السجن، بعد أن اتهموه بالنفاق. وفي لقائه مع قناة الجزيرة، اتهمهم مرشدهم بسرقة المال العام، والفساد، وقتل الذين شاركوا منهم، في محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك الفاشلة. ولما كان كثير من مؤيدي الترابي من دارفور، من القبائل غير العربية، خطط علي عثمان وعصابته للقضاء على هذه القبائل، حتى لا تشكل سنداً للترابي، فسلحوا القبائل العربية، وكونوا منها مليشيا “الجنجويد” بقيادة موسى هلال، وجعلوها سنداً للجيش. وبدأوا في أواخر عام 2002م، حملة محاولة تطهير عرقي، لقبائل الزرقة في دارفور، يقودها الجيش والجنجويد، فحرقوا القرى، وقتلوا المواطنين، واغتصب الجيش في يوم واحد 200 امرأة في قرية “تابت” بشمال دارفور!! وقدر عدد القتلى بواسطة جيش الحكومة ومليشيا الجنجويد بحوالي 250 ألف مواطن من أهالي دارفور. وقدر النازحين الفارين بحوالي 2 مليون شخص. ولقد استطاع أبناء دارفور، إيصال صوتهم للعالم، الأمر الذي لم يقدر عليه أبناء جنوب السودان، فوجهت المحكمة الجنائية الدولية، الاتهام للبشير ومجموعة من عصابته، بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وتطهير عرقي في دارفور.
هل اقتصرت جرائم الاخوان المسلمين على القتل وما صاحبه من اعتداءات؟!
كلا!! وإنما قاموا باختطاف الدولة السودانية، تماماً، ووضعها تحت تصرفهم، وحرموا بقية السودانيين من العيش الكريم!! ثم اتجهوا بعد ذلك، الى السيطرة عن طريق نهب كل أموال السودان، ووضعها في جيبهم. وبعد أن اثرى قطاع كبير منهم، حين وُضعوا في مناصب كبيرة، بعد فصل اصحابها عن العمل، اتجهوا الى السوق، فأنشأوا شركات لجهاز الأمن، وللتجار من افراد تنظيمهم، واحتكروا لهم رخص التصدير والاستيراد، وعفوهم من الضرائب، التي ضاعفوها لمنافسيهم، حتى أخرجوا كل من عداهم من السوق، واصبحت الأسواق جنة مأواهم بدلاً من المساجد!! ثم شنوا حملة على المصانع، والمشاريع الزراعية، واتهموها بالفشل، وبدعوى الخصخصة، باعوها لأعضاء التنظيم.. وتم تدمير شامل، ومتعمد، لكافة المشاريع الزراعية، والصناعية الكبرى. فحطموا مشروع الجزيرة، والرهد، ومشاريع النيل الأبيض، وباعوا مصانع النسيج، والمدابغ، وحطموا السكة حديد، وشردوا عمالها، وباعوا النقل النهري، وكل سفن هيئة الموانئ البحرية، وحطموا الخطوط الجوية السودانية، وباعوها، بما فيها خط هيثرو! وجلبوا القروض لبناء مطار جديد، ثم نهبوها، وجلبوا مكانها، قروضاً اخرى، بعد أن حددوا مكاناً آخر للمطار الجديد، ونهبوا الأموال مرة أخرى، ولم يقم المطار.
ولتحطيم المشاريع الاقتصادية، هدف مباشر، هو اثراء وارضاء، قادة الحزب والحكومة.. وهدف غير مباشر، وهو عدم السماح لتجمعات عمالية، أو تجمعات مزارعين كبيرة، حتى لا تكوّن نقابات، تطالب بتحسين أوضاع العاملين، ثم تطالب بحقهم في الحرية والكرامة.. خاصة وأن الحكومة لم تعد تحفل بدعم وجودها، بنجاح مشروعاتها، بقدر ما تركز على الأمن، الذي يتولى في سبيل حمايتها، مواجهة المظاهرات بإطلاق الرصاص الحي.. أما الطرق والكباري التي أنشئت، فقد قامت كلها بقروض، معظمها قروضاً صينية، كانت تسدد بنسبة من البترول. وحتى يحكموا قبضتهم على الاقتصاد، سنوا من اللوائح الاقتصادية، بواسطة بنك السودان، الذي وضعوا فيه اعضاء تنظيمهم، ما جعل البنوك خاضعة لهم، تأخذ ودائع الناس، وتعطيها لهم كقروض، ثم لا يردونها، ولا تستطيع البنوك ان تشتكيهم لتسترد أموالها، حتى اعلنت بعض البنوك افلاسها!! وحين واصلوا في جهود التنقيب عن البترول، وظهرت كميات منه، لم يفكروا ولا لحظة في تحسين وضع الشعب، لأنهم يعتقدون ان الشعب إذا توفر له القوت، سيطالب بالحرية، وسيقتلعهم.. بل ان اموال البترول، لم تستخدم للتنمية، ولا دخلت أصلاً في ميزانية الدولة!! ولكنها وظفت لزيادة ثراء كبار قادة الحزب والحكومة من ناحية، كما صرف منها على تقوية وتحديث جهاز الأمن، وشراء سلاح للجيش، وللجيش الموازي، الذي أنشأوه وسموه قوات الدفاع الشعبي. وأدى غياب التنمية، الى انتشار الفقر، والبطالة، والارتفاع الجنوني في الأسعار.. ولما كان أعضاء التنظيم هم كبار التجار، لم تستطع الحكومة، السيطرة على الزيادة المطردة، في جميع السلع، يومياً، حتى عجز المواطنون عن توفير لقمة العيش!! بالإضافة الى ذلك، استغلوا الأموال التي نهبوها من الشعب، لإفساد الذمم، وشراء المواقف. ثم اشاعوا ” الرشوة”، حتى اصبحت عادية، بعد ان كان الشعب السوداني يعتبرها عاراً. وبسبب الغلاء، والبطالة، والفقر، وتحطيم المشاريع، وتشريد الناس من عملهم، اضطر كثير من الناس للسرقة، أو الرشوة، أو الفساد المالي، ثم التعاون مع النافذين من الاخوان المسلمين، حتى يأمنوا جانب العقوبة الدنيوية، خاصة وأنهم يرون من كانوا رجال الدين، يسرقون، ويسمعون بالفساد المالي في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية وفي ديوان الزكاة وفي بعثة الحج.
هل هذا كل ما فعله حكم الاخوان المسلمين؟!
لا، ولا كرامة!! لقد أدى ما أشرنا اليه من تحطيم المشاريع الاقتصادية، الى تدمير الريف السوداني، واضطرار سكانه للهجرة الى الخرطوم، مما فاقم كافة الأزمات في السكن، وفي الصحة، وفي صحة البيئة.. وقد أدى خراب الريف، الى تحطيم الضوابط الأخلاقية التقليدية، دون ان تقام مكانها ضوابط حديثة.. فقضت حكومة الإخوان المسلمين على روح الشهامة، والمساعدة، والكرم، وكافة الخصال الكريمة، التي امتاز بها هذا الشعب، منذ آلاف السنين. وهكذا تمت تصفية تامة، لدولة الرعاية الاجتماعية، فلا الحكومة تساعد الشعب، ولا هي تركته يساعد بعضه بعضاً.. مما ضرب النسيج الاجتماعي والأخلاقي، وغير المفاهيم من أخلاقية الى نفعية عاجلة. وفي نفس الوقت، وجد النافذون في تنظيم الاخوان المسلمين، أنفسهم في القمة، يملك أحدهم من الثروة ما لم تكن تملك قبيلته كلها!! ومع الثروة يملك سلطة، وحصانة من المحاسبة والمحاكمة، وهو أصلاً لم يتلق تربية حقيقية، لأن التنظيم لم يكن يعيش الدين، وإنما كان يعيش عليه، ويستغله من أجل الدنيا.. وهو فوق كل ذلك، يخشى أن تسقط الحكومة، فيفقد كل شيء، وتدفعه مشاعر الخوف، والشعور بالذنب، لما نهب من أموال الشعب، وما عذب وسجن من المواطنين الشرفاء، ومشاعر الخواء الداخلي، الى اللهث الجنوني خلف شهوات الجسد، فينغمس فيها بإسراف المضطرب، وشبق المترف.
لكل ما تقدم، وأكثر، ثار الشعب السوداني على الاخوان المسلمين، وأسقط حكمهم. فهل قبل الاخوان المسلمون بحكم الشعب عليهم؟! (يتبع)
25 ديسمبر 2025م
–
–




