
م. محمد غافل
منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، يرى قطاع واسع من السودانيين أن هذه الحرب كانت محاولة من جماعة الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية السودانية للعودة إلى السلطة بعد أن أطاحت بها ثورة ديسمبر المجيدة، تلك الثورة الشبابية التي قدم خلالها الشعب السوداني تضحيات عظيمة من أجل الحرية والسلام والعدالة.
وامتدت معركة جماعة الإخوان المسلمين إلى مؤسسات الدولة التي ظلت لعقود تحت نفوذها وتأثيرها فتم توظيف العديد من المؤسسات والخدمات العامة كأدوات ضغط وعقاب سياسي ضد ملايين المواطنين الذين وجدوا أنفسهم محرومين من حقوقهم الأساسية بسبب مواقعهم الجغرافية أو مواقفهم السياسية أو وجودهم في مناطق خارج سيطرة سلطة الأمر الواقع في بورتسودان.
لقد تحول التعليم إلى أداة من أدوات الصراع وحُرم آلاف الطلاب والتلاميذ من حقهم الطبيعي في الدراسة والامتحانات. كما تعرض المواطنون لصعوبات كبيرة في التعامل مع النظام المصرفي والحصول على العملة والخدمات البنكية، إضافة إلى التعقيدات التي واجهت استخراج الأوراق الثبوتية والجوازات الرسمية. وحتى المساعدات الإنسانية لم تسلم من التسييس حيث واجهت مجتمعات بأكملها الحرمان والتضييق تحت ذرائع سياسية وأمنية مختلفة.
وكانت شعوب الهامش الأكثر تضررًا من هذه السياسات إذ جرى التعامل معها بعقلية الإقصاء والاشتباه الجماعي بحجة انهم “حواضن للدعم السريع”.
وفي مواجهة هذا الواقع شرعت حكومة “السلام” في مشروع عملي لكسر الحصار المؤسسي الذي فرضته الحركة الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين عبر أدوات الدولة المختلفة وكان ملف التعليم أول ميادين هذا التحدي.
فقد تمكن تلاميذ وتلميذات المرحلة المتوسطة من الجلوس لامتحاناتهم في سبع ولايات تقع تحت إدارة تأسيس، في خطوة أعادت الأمل لآلاف الأسر التي ظلت تخشى ضياع مستقبل أبنائها. ولم تمض أيام حتى جلس طلاب وطالبات الشهادة الثانوية لامتحاناتهم أيضًا، في حدث يمكن اعتباره أحد أكبر الإنجازات المدنية خلال فترة الحرب.
إن كسر حصار التعليم يمثل ضربة مباشرة لسياسات الإقصاء التي انتهجتها جماعة الإخوان المسلمين ورسالة واضحة بأن حق التعلم لا يمكن أن يخضع للمساومات السياسية أو الحسابات العسكرية. فالتعليم حق أصيل لكل طفل وشاب سوداني.
واليوم وبعد النجاح في ملف التعليم، تتجه الجهود نحو كسر الحصار المفروض على القطاعات الأخرى وفي مقدمتها النظام المصرفي والعملات والخدمات البنكية، ثم ملفات الأوراق الثبوتية والجوازات وغيرها من الخدمات التي يحتاجها المواطن في حياته اليومية.
إن معركة السودانيين الحقيقية ليست فقط ضد الحرب، وإنما أيضًا ضد استخدام مؤسسات الدولة كسلاح سياسي. فالدولة التي تحتكر حقوق المواطنين أو تميز بينهم على أساس الانتماء أو الجغرافيا ليست دولة لكل السودانيين.
ومن هنا فإن مشروع تأسيس لا يقتصر على تقديم الخدمات فقط بل يسعى إلى إعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها باعتبارها مؤسسة لخدمة المواطنين كافة وليست أداة في يد جماعة سياسية أو أيديولوجية. وكلما نجحت هذه الجهود في كسر حصار جديد، اقترب السودان خطوة أخرى من بناء دولة المواطنة المتساوية والعدالة والكرامة الإنسانية.
إن ما تحقق في التعليم اليوم هو بداية الطريق وما ينتظره السودانيون غدًا هو استكمال تحرير بقية الخدمات من قبضة التسييس والاحتكار، حتى تصبح مؤسسات الدولة ملكًا لجميع المواطنين، وليست حكرًا على جماعة الإخوان المسلمين أو أي تنظيم سياسي آخر.




