رأي

بناء الوعي السياسي كمدخل لتأسيس السودان الجديد: ورش الحركة الشعبية شمال في جنوب كردفان/جبال النوبة

احمد موسى

 

أحمد موسي 

في بلدٍ جرى تدمير وعيه السياسي بصورة منهجية، لا بفعل الصدفة بل عبر مشروع متكامل قادته جنرالات الجيش ومن خلفهم الحركة الإسلامية، يصبح بناء الوعي السياسي فعلًا ثوريًا في حد ذاته. فهؤلاء لم يكتفوا بمصادرة السلطة والسلاح، بل عملوا على تفريغ السياسة من مضمونها، وتحويل الدولة إلى أداة قمع وحرب، وإبقاء المجتمعات، خصوصًا في الأقاليم المهمشة، رهينة للجهل والخوف والانقسام.

من هذا المنطلق، تأتي الورش التي نظّمتها الحركة الشعبية – شمال بجنوب كردفان/جبال النوبة، والتي أُقيمت في تيما وسبقها تنظيم ورش مماثلة في كودة، كخطوة عملية في مواجهة هذا المشروع التخريبي. فهي ليست أنشطة تنظيمية عابرة، بل فعل مقاومة سياسية واعية في وجه دولة مختطفة يديرها العسكر، وتحرسها أيديولوجيا الحركة الإسلامية، وتُدار بعقلية الحرب لا بعقل الدولة.

لقد ظل جنرالات الجيش، بتحالفهم العضوي مع الحركة الإسلامية، يعيدون إنتاج نفس الأزمة: انقلاب يعقبه قمع، وحرب تعقبها تسوية هشة، ثم عودة أشد شراسة للسلطة العسكرية. وفي كل مرة، يُدفع ثمن هذا العبث من دماء أبناء الهامش، وتشريد المجتمعات، وتدمير ما تبقى من النسيج الاجتماعي. في هذا السياق، تكتسب مشاركة أعداد واسعة من أبناء الإقليم، بمختلف مكوناتهم الاجتماعية، في هذه الورش دلالة سياسية عميقة، باعتبارها كسرًا متعمدًا لحالة الاستلاب التي أرادها المركز العسكري الإسلامي واقعًا دائمًا.

إن جوهر هذه الورش يتمثل في بناء كادر سياسي قادر على تفكيك خطاب السلطة، وفضح أكذوبة “الجيش الحامي للوطن”، وادعاءات “المشروع الحضاري” الذي لم ينتج سوى الخراب والفساد والحروب. فالصراع في السودان لم يعد يحتمل الرمادية: هو صراع بين مشروع دولة مواطنة وعدالة، ومشروع سلطة تقوده البنادق وتبرره الفتاوى السياسية.

وتبرز الأهمية الاستراتيجية لهذه الورش بصورة أوضح في سياق ما بعد تحرير مدينتي كادقلي والدلنج. فمرحلة التحرير، إن لم تُواكب ببناء كادر سياسي مدرّب وواعٍ بمشروع حكومة التأسيس، قد تتحول إلى فراغ سياسي خطير يُعاد من خلاله إنتاج الأزمة بأدوات جديدة. من هنا، يصبح وجود كادر سياسي مؤهل ضرورة ملحّة، لا لإدارة الشأن السياسي فحسب، بل للعمل على رتق النسيج الاجتماعي، ومعالجة آثار الحرب، وقيادة عملية تعافي المجتمع الذي أنهكته سنوات القتل والتشريد والاستقطاب.

ويرتبط هذا الدور ارتباطًا مباشرًا ببرنامج حكومة تأسيس ، بوصفه مشروعًا مضادًا لدولة الجنرالات والحركة الإسلامية، وسعيًا جادًا لإعادة بناء السودان من جذوره، لا عبر صفقات تقاسم السلطة مع العسكر، ولا عبر تسويات تُبقي أدوات القهر قائمة، بل عبر معالجة جذور الأزمة: طبيعة الحكم، والهوية، وتوزيع السلطة والثروة، وبناء دولة تقوم على العدالة والمواطنة المتساوية.

إن إنزال برنامج حكومة تأسيس إلى أرض الواقع لا يمكن أن يتم في صالات التفاوض المغلقة، ولا عبر نخب مرتبكة تخشى تسمية الأشياء بأسمائها، بل عبر كوادر مدرّبة ومؤهلة سياسيًا، تدرك أن جنرالات الجيش والحركة الإسلامية هم جوهر الأزمة، وأن أي حديث عن انتقال ديمقراطي دون تفكيك هذا التحالف هو مجرد إعادة تدوير للفشل.

في المحصلة، فإن ما يجري في كودة وتيما لا يمثل نشاطًا تنظيميًا عابرًا، بل إعلانًا سياسيًا صريحًا بأن معركة السودان القادمة هي معركة وعي في المقام الأول. وبدون هذا الوعي، سيظل التحرير ناقصًا، والنصر هشًا. أما بالاستثمار في الإنسان، وبناء الكادر السياسي القادر على إدارة ما بعد الحرب، فإن الطريق يصبح ممهدًا نحو سودان جديد، يُبنى بإرادة واعية، وبرنامج واضح، وقيادات تعرف أن التحرر الحقيقي يبدأ من إعادة بناء المجتمع، لا من استبدال بندقية بأخرى.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!