
د. موسى الأمين حمودة
في ظل المرحلة المفصلية التي يعيشها السودان، ومع تشكيل حكومة التأسيس، تبرز الحاجة المُلِحّة لإعادة النظر في دور الصندوق القومي لرعاية الطلاب، لا بوصفه مؤسسة تابعة للسلطة كما كان سابقًا، بل كأداة خدمية ووطنية تنهض بالمسؤولية تجاه الطلاب، وتُسهم في إعادة بناء التعليم العالي في البلاد، خاصة في المناطق المتأثرة بالحرب والانهيار.
لقد شكّل الصندوق في عهد النظام السابق واجهة أمنية لحزب المؤتمر الوطني، وعُرف بتورطه في التنكيل بالطلاب، وحرمانهم من حقوقهم في السكن والرعاية والمناخ الجامعي السليم، بل كان أداة للرقابة والسيطرة والتمييز، وليس للرعاية والدعم. إلا أن اللحظة الراهنة، بما تحمله من تحولات سياسية واجتماعية، تفرض أن يُعاد تأسيس هذه المؤسسة على أسس جديدة، تنبع من احترام الطلاب كمواطنين لهم حقوق كاملة، وتضع خدمة الطالب في قلب أهدافها، لا على هامش أولوياتها.
في واقع تنهار فيه البنية التحتية للجامعات، خاصة في دارفور وكردفان، نتيجة القصف الجوي لطيران الجيش الذي استهدف الجامعات ومجمعات السكن الجامعي في نيالا، الفاشر، زالنجي، الجنينة، الضعين وغيرها، لم يعد من المقبول أن يُدار الصندوق كجهة بيروقراطية معزولة. بل يجب أن يكون شريكًا حقيقيًا للجامعات، متكاملًا معها في كل ما يتعلق بإعادة الإعمار، إسكان الطلاب، وتوفير بيئة طيبة ومحفزة لاستئناف الدراسة، التي توقفت لأكثر من عامين، وحرمت آلاف الطلاب من مواصلة تعليمهم.
إن الصندوق مطالب اليوم بأن يتحول إلى رافعة لحماية حق التعليم، ودعامة لاستقرار الجامعات، عبر استراتيجيات واضحة تنسجم مع إدارات الجامعات وتستجيب لاحتياجاتها في مناطق حكومة التأسيس، بدلًا من أن يتحرك بمفرده أو يعيد إنتاج مركزية فاشلة. عليه أن يكون منفتحًا على التنسيق، شفافًا في الأداء، وجاهزًا لتحمل مسؤولية المرحلة بما تتطلبه من مرونة، جرأة، وحس وطني عالٍ.
لا يمكن لأي مشروع تعليمي أن ينجح في ظل بيئة جامعية متوترة، أو مساكن طلابية مهددة، أو غياب لخدمات الرعاية. لذا فإن تغيير وظيفة الصندوق من “أداة سلطة” إلى “أداة خدمة”، هو مدخل أساسي لإرساء العدالة التعليمية، وترسيخ الاستقرار في الجامعات، وضمان أن يكون الطالب محورًا فعليًا في مشروع بناء الدولة.
فليكن الصندوق في عهد التأسيس وجهًا آخر لسودان جديد: سودان يكرّم طلابه لا يراقبهم، يدعمهم لا يقمعهم، يبني مستقبلهم لا يعترض طريقه.




