رأي

سلسلة كشف المستور (5) عقدة النخبة – الأفندي المخصي سياسياً جريمة في قطار الشرق: كيف فكك الأفندي شريان الوحدة لصالح مافيا اللواري؟

مجدي محمد مصطفي ماكن

 

مجدي محمد مصطفى ماكن

يقول المؤرخون: “بريطانيا بنت السكة حديد لتحتل السودان، لكن السكة حديد هي التي وحدت السودان”. كان هذا الشريط الحديدي الطويل هو “الجهاز العصبي” للدولة. هو الذي ربط “واو” في الغابات الاستوائية بـ “حلفا” في أقصى الصحراء، وربط “نيالا” في الغرب بـ “بورتسودان” في الشرق. كانت السكة حديد تعني شيئاً واحداً: أن الدولة موجودة، وأن الأسعار رخيصة، وأن التواصل بين الشعوب ممكن.

لكن “الأفندي” في الخرطوم، بعقليته التآمرية واللصوصية “الخصية”، رأى في هذا القطار خطراً عليه. فقرر ارتكاب جريمة لا تغتفر: تفكيك السكة حديد وبيعها خردة. لماذا؟ الإجابة تتلخص في كلمتين: (الخوف) و(الجشع).

الدافع السياسي: عقدة “عطبرة” ورعب النقابات الأفندي “المخصي سياسياً” (كما أسميناه سابقاً) يرتعد خوفاً من أي تنظيم شعبي قوي. وكانت السكة حديد هي الحاضنة لأقوى تنظيم نقابي في أفريقيا والشرق الأوسط: نقابة عمال السكة حديد) ومركزها في “عطبرة” (عاصمة الحديد والنار).

هؤلاء العمال هم الذين أسقطوا الديكتاتوريات السابقة بإضراب واحد يوقف حركة البلاد.

كانوا يمثلون “الوعي الطبقي” الحقيقي، وكانوا صوتاً عالياً لا يستطيع الأفندي تدجينه.

لذلك، كان الهدف الأول للأنظمة الشمولية (نميري ثم الإنقاذ) هو: كسر ظهر عطبرة. قالها نميري صراحة: “سأحول عطبرة إلى قرية” ونفذها الإسلاميون لاحقاً تحت مسمى “الصالح العام”، شردوا آلاف الكفاءات والمهندسين والعمال. دمروا السكة حديد لكي يتخلصوا من “البعبع” الذي يهدد كرسيهم في القصر. فضلوا أن تموت وسيلة النقل الرخيصة، على أن يبقى العمال أقوياء.

الدافع الاقتصادي: صعود “مافيا اللواري” (The Trucking Mafia) الجريمة الأبشع كانت الدافع الاقتصادي.

السكة حديد هي أرخص وسيلة نقل في العالم. القطار الواحد يحمل حمولة 50 شاحنة بتكلفة زهيدة جداً. وهذا يعني أن البضائع تصل للمواطن في دارفور وكردفان بسعر رخيص. لكن، من يتضرر من هذا الرخص؟ يتضرر “سماسرة النقل” وتجار الحرب. في التسعينيات، ظهرت طبقة جديدة من “الأفندية الطفيليين” (ضباط جيش متقاعدين، وتجار الجبهة الإسلامية) استثمروا أموالهم المنهوبة في أساطيل ضخمة من الشاحنات اللواري والبصات السفرية. لكي تنجح تجارتهم، كان لا بد من قتل المنافس. والمنافس هو القطار.

أهملوا صيانة الخطوط عمداً.

فككوا القضبان وباعوها خردة.

سرقوا “الفلنكات”.

عطلوا القاطرات الجديدة.

كل هذا لكي يجبروا التاجر والمواطن على استخدام “شاحناتهم” الخاصة. النتيجة؟ ارتفعت تكلفة النقل بنسبة 1000%. أصبح جوال السكر الذي يصل نيالا، سعره ضعف سعره في بورتسودان، وقارورة الماء الصحية في زالنجي بضعفي سعرها في الخرطوم لأن المواطن في الغرب يدفع “فاتورة جشع” مافيا اللواري التابعة للمركز. لقد دمروا القطار (ملك الشعب) ليعيش اللوري (ملك الأفندي).

جريمة العزل: 

فصل الهامش عن المركز تدمير السكة حديد لم يكن مجرد خسارة اقتصادية، بل كان “قطعاً لأوصال الوطن”. عندما توقف القطار عن الوصول لنيالا والضعين وواو وبابنوسة، حدث “انفصال شعوري” وواقعي.

القطار كان هو “الوعاء الاجتماعي” الذي يختلط فيه الناس؛ ابن الشمال مع ابن الغرب، في الدرجة الثالثة والرابعة، يشربون الشاي ويتعارفون.

بموت القطار، انعزلت الأقاليم. أصبح ابن الهامش محاصراً في إقليمه، لا يرى المركز إلا عبر التلفزيون أو كـ “نازح”.

هذه العزلة رفعت تكلفة المعيشة في الهامش بشكل جنوني، مما زاد من حدة الغبن والفقر، وهيأ النفوس للحرب.

الأفندي أرادها “دولة معزولة الأطراف”، ممزقة الأوصال، يسهل السيطرة عليها عسكرياً، بدلاً من “دولة مترابطة” يسهل تنميتها.

بيع “تاريخنا” في سوق الخردة

قمة المأساة هي ما حدث لأصول السكة حديد. القاطرات الإنجليزية والألمانية العتيقة، التي تعتبر “تحفاً” هندسية، والورش العملاقة في عطبرة وبابنوسة.. تم بيعها كـ “حديد خردة” لمافيا تصدير الحديد. تخيلوا! يبيعون تاريخاً هندسياً يمتد لقرن من الزمان، لكي يحصلوا على دولارات سريعة يهربونها للخارج. لم يكتفوا بقتل الحاضر، بل باعوا إرث الماضي بالكيلو!

الخلاصة: لا وحدة بلا “قضبان” اليوم، عندما يتحدث هؤلاء عن “وحدة السودان”، نضحك بمرارة. أي وحدة تتحدثون عنها وأنتم فككتم “الرابط” الوحيد بيننا؟ أنتم من فصلتم الغرب والشرق والجنوب عندما أوقفتم عجلات القطار.

في “السودان الجديد” الذي نؤسس له، لن تكون الأولوية لبناء القصور في الخرطوم، بل ستكون الأولوية لإعادة مد “قضبان الحديد” يجب أن يعود القطار ليمشي من الجنينة إلى بورتسودان، ومن نيمولي إلى حلفا. ليس فقط لنقل البضائع، بل لنقل “الحياة” ولإعادة دمج ما مزقه الأفندي بجشعه. السكة حديد هي مقياس الوطنية الحقيقي. من يبنيها يريد دولة، ومن يفككها يريد “مزرعة خاصة”. وقد أثبت الأفندي أنه مجرد “تاجر خردة” لا يؤتمن على وطن.

لقد وعدتكم بأن أقوم بتشريح هذا الأفندي “الهمباتي”، وأقدم لكم التقرير النهائي الذي يثبت موته السريري، و يثبت أيضا أن حتى “استعلائه” مزور.

المقال القادم

رجل أفريقيا المريض: كيف حول “خصيان الخديوي سلة غذاء العالم إلى مقبرة جماعية؟

“سحرة فرعون” و “كهنة أم درمان”،

هنا أم درمان.. هنا صوت (السيد): كيف تحول الراديو إلى (مئذنة) لتمجيد المركز وإلغاء السودان؟”

الجريمة الأبشع التي ارتكبها “كهنة أم درمان” هي اغتيال اللغات السودانية الأصيلة. فيما يمكن تسميته “تطهير عرقي لغوي” واستغلال جهاز الدولة الإعلامي الرسمي في ممارسة جريمة “الهندسة الاجتماعية.

#الأبارتهايد_المنقب

 #مافيا_اللواري

 #جريمة_السكة_حديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!