رأي

السودان الذي لم يولد بعد.. ضرورة تفكيك وهم الدولة !!!!

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

ليس من قبيل الصدفة، ولا من باب السهو المعرفي البريء، أن لا يزال قطاع واسع من المثقفين، وبعض سدنة دولة ما بعد الاستعمار، يتعاملون مع السودان كما لو كان دولة قائمة بذاتها، مكتملة الشروط، واضحة المعالم، متفقًا عليها وطنيًا. هذا التعاطي لا يعكس فقط قصورًا في التحليل، بل يكشف عن انطلاق هؤلاء من أجهزة مفاهيمية موروثة، لم تُفكك، ولم تُراجع، بل ظلوا أسرى لها، يرددون سرديات تاريخية مصنوعة، كما تُردد الببغاوات الأصوات، دون أدنى جهد في إعمال العقل النقدي.

الحقيقة الصادمة، التي يجري الهروب منها باستمرار، هي أن ما يسمى بـ«الدولة السودانية» لم يتجاوز، منذ نشأته، كونه كيانًا إداريًا هجينًا، صاغه الاستعمار لخدمة أغراضه، ثم ورثته نخب محلية أدمنت الهيمنة بدل التأسيس. فلا نحن أمام دولة بالمفهوم السياسي الحديث، ولا أمام عقد اجتماعي، ولا أمام شعب متساوٍ في الحقوق والواجبات، ولا حتى أمام حدود وطنية مستقرة ومُجْمَع عليها.

الدولة لا تُعرَّف بالعلم والنشيد، بل بقدرتها على تمثيل جميع من يعيشون تحت سمائها دون تمييز.

وهم الدولة ما بعد الاستعمار

الدولة، وفق أبسط تعريفاتها السياسية والقانونية، تقوم على ثلاثة أركان: أرض محددة، شعب متساوٍ في المواطنة، ودستور ناظم للعلاقة بين السلطة والمجتمع. وإذا طبقنا هذا التعريف على الحالة السودانية، دون مكابرة أيديولوجية، سنكتشف أننا أمام فراغ بنيوي كامل.

فالحدود الجغرافية للسودان لم تكن يومًا نتاج توافق تاريخي داخلي، بل نتاج خرائط استعمارية مرسومة بالقلم والمسطرة، قُطعت على مقاس المصالح الإمبراطورية. أما «الشعب السوداني» فلم يُبنَ يومًا بوصفه كيانًا سياسيًا متساويًا، بل جرى تقسيمه إلى مراكز وهوامش، وسلالات حاكمة ورعايا، وأعراق «مفترضة» وأخرى موصومة بالتبعية أو الدونية.

أما الدستور، فلم يكن يومًا عقدًا اجتماعيًا حقيقيًا، بل وثيقة تُفصّل كل مرة لخدمة السلطة القائمة، سواء كانت عسكرية أو دينية أو أوليغارشية مغلقة. هكذا، ظل السودان يعيش داخل شكل دولة بلا مضمون، وسلطة بلا شرعية، ووطن بلا مواطنة.

 سلطة وكلاء الاستعمار وإعادة إنتاج القهر

ما أعقب خروج الاستعمار لم يكن استقلالًا فعليًا، بل انتقالًا للسلطة من يد المستعمر الأجنبي إلى وكلاء محليين، حافظوا على جوهر الدولة الاستعمارية، وأعادوا إنتاجها بوجوه وطنية زائفة. هذه السلطة، التي تركزت تاريخيًا في يد أقلية اجتماعية–سياسية، مارست كل أشكال الإقصاء والفساد والاستبداد، واحتكرت الثروة والقرار، وجرّدت غالبية الشعوب من حقها في المشاركة والتمثيل.

الهامش، بكل تجلياته الجغرافية والثقافية والإثنية، لم يكن ضحية عرضية، بل هدفًا مباشرًا لسياسات التهميش المنهجي، التي استمرت لأكثر من سبعة عقود. تهميش في التعليم، في التنمية، في الصحة، في التوظيف، وفي الحق في الحياة ذاتها. ومع ذلك، جرى تصوير هذا الظلم التاريخي، مرارًا، كأنه «اختلال تنموي» أو «سوء إدارة»، لا كجريمة سياسية بنيوية.

حين يُحرم الناس من حقوقهم طويلًا، يصبح التمرد ليس خيارًا، بل ضرورة وجودية

 خدعة الحياد وأسطورة الطرفين

من أكثر المواقف السياسية إضرارًا بالحقيقة، ذلك الموقف الذي يدّعي الحياد، ويصف ما يجري في السودان بأنه «صراع بين طرفين». هذا الوصف، في جوهره، ليس محايدًا، بل موقف منحاز بعمق لصالح دولة الأوليغارشية، لأنه يساوي بين الجلاد والضحية، وبين من مارس القتل الممنهج لعقود، ومن نشأ  بكل تناقضاته  داخل سياق مقاومة تلك البنية.

النظر إلى الجيش السوداني وقوات الدعم السريع من زاوية واحدة، بوصفهما «طرفين متكافئين في الشر»، هو تفكير قاصر، ويتجاهل السياق التاريخي والسياسي الذي أنتج الصراع. فالجيش، بوصفه مؤسسة، ظل الأداة الرئيسية لقمع الهامش، وعرقلة أي مشروع ديمقراطي، والانخراط في انقلابات لا تنتهي، وتحالفات إقليمية مشبوهة، وعلى رأسها التدخل المصري السافر في الشأن السوداني.

 الجيش كعقبة بنيوية أمام التأسيس الوطني

لم يكن الجيش السوداني، في أي مرحلة، جيشًا وطنيًا بالمعنى الحديث، بل ظل مؤسسة مختطفة من قبل نخب أيديولوجية، وجماعات هوس ديني، وأجهزة مصالح إقليمية. وهو الجيش ذاته الذي لعب دور «مخلب القط» في تنفيذ الأجندة المصرية داخل السودان، وضمان بقاء دولة ضعيفة، تابعة، غير قادرة على اتخاذ قرار سيادي مستقل.

هذا الجيش هو من أشعل حرب أبريل، ليس دفاعًا عن الدولة، بل لإجهاض الثورة، والعودة إلى السلطة على جماجم ودماء السودانيين. وهو من رفض، مرارًا، دعوات السلام، لأنه يدرك أن السلام الحقيقي يعني نهاية امتيازاته، ونهاية دوره كحارس لدولة ما بعد الاستعمار.

 الدعم السريع وسؤال الاصطفاف السياسي

دون الوقوع في المثالية أو التبرير الأعمى، لا يمكن تجاهل أن قوات الدعم السريع اتخذت موقفًا سياسيًا مختلفًا في لحظة مفصلية. فقد انحازت إلى الثورة، واصطدمت بمركز السلطة القديم، وتعرضت لهجوم شامل من مؤسسة عسكرية مدعومة إقليميًا، وتسعى لاستعادة دولة القهر.

الأهم من ذلك، أن الدعم السريع مضى نحو بناء تحالف سياسي عريض مع قوى مدنية، وشارك في طرح مواثيق وأطروحات سياسية، سعت نظريًا على الأقل  إلى معالجة جذور الأزمة السودانية: سؤال الدولة، والهوية، والمواطنة، وتوزيع السلطة والثروة.

هذا لا يعفيها من النقد، ولا يرفع عنها المساءلة، لكنه يفرض قراءة مختلفة، سياقية، تاريخية، لا تُسقط الفاعلين في سلة واحدة، ولا تختبئ خلف حياد زائف.

ليست كل الصراعات متشابهة، ومن يرفض التمييز بينها، يساهم في إدامة الظلم.

معركة التأسيس لا الإصلاح

الخطأ الأكبر الذي وقع فيه كثير من المثقفين، هو الحديث المستمر عن «إصلاح الدولة»، في حين أن المعضلة الحقيقية هي غياب الدولة أصلًا. ما يحتاجه السودان ليس إصلاحًا، بل تأسيسًا جديدًا: تفكيك دولة ما بعد الاستعمار، وبناء دولة المواطنة المتساوية، على أنقاضها.

هذه المعركة ليست معركة سلاح فقط، بل معركة وعي، ومفاهيم، وسرديات. معركة ضد اختزال الصراع، وضد تبييض تاريخ القمع، وضد مساواة لا أخلاقية بين من اضطهدوا الشعوب، ومن قاوموا ذلك الاضطهاد بأشكال مختلفة.

في هذا السياق، يصبح دور المثقف حاسمًا: إما أن يكون شاهد زور على وهم الدولة، أو شريكًا في عملية التأسيس الفكري والسياسي لسودان جديد، لم يولد بعد، لكنه يستحق أن يولد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!