رأي

مابين التركي والمُتورَك.. تسقط أكنجي.!

خالد تارس

لا يزال رجل الاسلام السياسي في الشرق الأوسط يحلم بامبراطورية عثمانية في افريقيا، حيث لم يقرأ رجب اوردغان جيداً تاريخ فشل المستعمر التركي في الوصول الى عمق دارفور ونهب ثرواتها، بعد محاولات يائسة قام بها تاجر الرقيق (المنحط) الزبير باشا في التغلغل والسيطرة. لم يستفيق اوردغان حتى فضحته بندقيةُ بدويٍّ بسيط يمطي حصاناً في سهول دارفور، انها إمبراطوريَّةَ المكر والدهاء السياسي التي خلفت اسواء التجارب في السودان، فقد اشتهر الاستعمار التركي بالبطش وسرقة مُقدرات الشعوب وزرع الحقد والكراهية بين المجتمعات. اليوم وبعد سقوط المقاتلة التركية (أكِنجي).. في عراء شمال دارفور، انقطع الشك باليقين ان الدعم السافر من نظام الإسلام السياسي في إسطنبول لكتائب الإسلاميين في السودان اضحى كالشمس في رابعة النهار، نفس الافاعيل فعلها أردوغان في طرابلس الغرب لفرض واقعة الانقسام الجغرافي في الدولة النفطية، وتمكين المشروع الإسلاموي على البحر الابيض، وجعلة يتغلغل بشدة في حرب السودان، ليس مسانداً لمجموعة علي كرتي فسحب، بل جزءاً من منظومة إقليمية واسعة يقودها التنظيم الدولي للإسلام السياسي، ولا يعدو كرتي سوى وكيلاً للدمار والدماء والخراب في السودان، ومسؤولاً عن توازنات قذرة تُدار في دهاليز هذا المشروع العابر للحدود.!
سقوط طائرة أكنجي الاستراتيجية في العراء هكذا بعيداً عن اهدافها العسكرية، يعتبر هزيمة نكراء لخبراء التكنولجيا التركية، حيث لم تسقط المسيرة (أكنجي) على يد منظومات دفاع جوي متقدمة، تحطمت ببندقية رجل بدوي يمتطي صهوة فرسه، وتوثيق صورة حطام اكنجي وهي جاثمه تحت حوافر الحصان أكبر فضيحة أخلاقية وتقنية تُعرّي وهم التفوق التركي في تكنولوجيا الطيران المسير، وقف البدوي على الحطام الباهظ، يتأمله بهدوء، ولم ينزل من صهوة الحصان للتعرف على هذه الخرافة الحربية واحتساب ملاييين الدولارت التي انفقت لاستجلابها، هذا المنظر (السينمائي).. يظل مشهداً تختلط فيه سخرية القدر بنُبل الموقف، حيث يتصدى بدوي يسير مع ماشيته لأقوى أدوات الخراب والدمار القادمة من بعيد، حينما علم ان هذه الخرابة هلكت الزرع والضرع وجعلت الملايين يلتحفون السموات؟
لقد غاص أردوغان عميقًا في وحل الحرب الاخوانية التي مزّقت اوصال السودانين وأذلّتهم، وأثبت أن الصراع ليس صراعاً محليًا بحتًا كما يُروَّج، بل له أبعاداً إقليمية دقيقة ينبغي فهمها ومواجهتها بوعي وبصيرة، فالنظام الإسلاموي الذي حكم البلاد ثلاثين عامًا، ونهب موارده، وعمّق الفقر والجهل في ارجاءه، لم يكن مجرد أفراد كعلي عثمان او علي كرتي اواسامة عبد الله، لكنه امتداداً خطيراً لمشروع خارجي يتقن لُعبة التخطيط الطويل والمدبر، بل هو مشروعاً لا يريد لهذا الوطن أن ينهض ويزدهر، بل يسعى لتفكيكه إلى دويلات عاجزة ومتناحرة وفاشلة، هذا اللاعب الماكر ليس هو امريكا وروسيا كما يردد إعلام الإسلاميين منذ انقلاب 1989، بل هو الإسلام السياسي ذاته، بامتداداته العنيفة في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، هو الصانع الأول لحروب الكراهية والاستنزاف في السودان، والمُموِّل السخي للمرتزقة، والمُنتِج الأصيل لأدوات الفوضى وقطع الرؤوس وبقر البطون وأكل أحشاء الناس.
أما علي كرتي، فما هو إلا تجلٍّ من تجليات هذا الخراب والانقسامات الاجتماعية، ووكيلٌ مطيع لا يملك من أمره إلا ما يُؤمر به. ومنذ شرارة المدينة الرياضية، وهزائم الخرطوم، ضاق الخناق بقادة المشروع الإسلاموي الذين لم يهربوا إلى دولة مجهولة، بل هربوا إلى تركيا وجعلوها منبراً للتعبيرعن الاكاذيب والدعاية الحربية عبر قناة طيبة وغيرها، وفي استانبول يقيم عبد الحي واخرين فروا محملين بالدولارات وقناطير الذهب والفضة التي كنزوها من اموال الشعب السوداني على مدى عقود، الا ان مدينة الحرية والديمقراطية لم تصمت على هذا التسرب الاسلاموي، بل انفجر صوتها مدوياً في الارجاء وقفاً الى جانب الضحايا ضد رموز النظام السياسي التي اتخذت من تركيا ملاذاً للاختباء وادارة الحرب في السودان عبر صفقات التسليح الاستراتيجي، ولكن خرج الاتراك الى الشوراع منددين باستقبال الرئيس أردوغان لرموز الخراب السوداني، وكان المشهد فاضحًا بما يكفي، إذ ينكشف المشروع ليس فقط في السودان، بل حتى على أرصفة المصارف في استنابول التي استقبلت ودائع مالية خيالية لجماعة الاسلام السياسي في السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!