تقارير وتحقيقات

نحو ميلادٍ ثانٍ للحركة الشعبية: قراءة في ورقة ياسر عرمان وتجديد مشروع السودان الجديد في زمن الانهيار الشامل

🔴التنوير ...تقرير صحفي 

 

🔴التنوير …تقرير صحفي 

من التاريخ إلى التجديد: الإطار النظري وضرورة المراجعة

تنطلق ورقة ياسر عرمان من قناعة أساسية مفادها أن الحركة الشعبية لتحرير السودان، رغم عمق مشروعها التأسيسي، لم تعد قادرة على الاستمرار بذات الأدوات والمفاهيم التي نشأت بها في ثمانينيات القرن الماضي. فالتغيرات البنيوية التي أصابت السودان، وانفصال الجنوب، وصعود الحروب الأهلية المتشظية، وانهيار الدولة الوطنية، كلها عوامل تفرض مراجعة جذرية لا شكلية.

يعيد عرمان طرح سؤال التجديد بوصفه سؤالًا نظريًا وعمليًا في آنٍ واحد: كيف يمكن لرؤية السودان الجديد أن تظل حية، دون أن تتحول إلى شعار مجرّد؟ ويضع هذه المراجعة في إطار عالمي أوسع، حيث تعيش حركات التحرر الوطني في العالم أزمة عميقة، بعد تراجع الأحلام الكبرى، وصعود النيوليبرالية، وتفتت المجتمعات.

في هذا السياق، لا يطرح عرمان التجديد كقطيعة مع التاريخ، بل كعودة نقدية إلى منصة التكوين الأولى، واستعادة الروح المؤسسة التي ربطت بين الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والتعدد الثقافي، والكفاح ضد الاضطهاد القومي والاستغلال الطبقي معًا.

 الحركة الشعبية وسؤال المناخ الوطني والإقليمي والدولي

تُولي الورقة أهمية خاصة لتحليل السياق الذي تعمل فيه الحركة الشعبية اليوم. فالسودان لم يعد معزولًا عن تحولات الإقليم والعالم، من الحروب بالوكالة، إلى صعود الفاعلين غير الدولتيين، إلى تسييس المساعدات، وتدويل الصراعات الداخلية.

ينتقد عرمان بوضوح العلاقة المختلّة بين حركات الكفاح المسلح والخارج، مشيرًا إلى أن الارتهان للدعم الخارجي قاد في كثير من الأحيان إلى إضعاف الاستقلال السياسي، وتشويه الأولويات الوطنية. كما يربط بين هذا الخلل وبين فشل بعض التجارب في تحويل الانتصارات العسكرية إلى مكاسب سياسية مستدامة.

وتقدّم الورقة قراءة نقدية لتجربة “لفة حروب الريف”، معتبرة أن عسكرة الهامش دون أفق سياسي واضح أسهمت في إنهاك المجتمعات المحلية، واستنزاف الطاقات، بدل تحويلها إلى كتلة تاريخية واعية قادرة على التغيير الشامل.

 الكفاح المسلح: من الضرورة التاريخية إلى أفق التحول السلمي

لا تتعامل ورقة “نحو ميلادٍ ثانٍ” مع الكفاح المسلح بوصفه تابوًا أو مقدّسًا، ولا بوصفه خطيئة مطلقة. بل تضعه في سياقه التاريخي كأداة فرضتها شروط القمع، وغياب الدولة العادلة، وانسداد الأفق الديمقراطي.

غير أن عرمان يطرح سؤالًا شائكًا: متى يتحول الكفاح المسلح من أداة للتحرر إلى عائق أمامه؟ ويؤكد أن التحدي الأكبر أمام الحركة الشعبية اليوم هو الانتقال السلس والمدروس من الكفاح المسلح إلى النضال السلمي الجماهيري، دون تفكيك التنظيم أو خيانة تضحيات المقاتلين.

وترتبط هذه الرؤية بإعادة تعريف مفهوم “القوة”، من قوة السلاح إلى قوة البرنامج، والتنظيم، والتحالفات الواسعة في المدن والأرياف، وبناء حركة حقوق مدنية ديمقراطية قادرة على اختراق المركز، لا الاكتفاء بمحاصرته من الأطراف.

 المركز والهامش: تفكيك الثنائية وبناء الكتلة التاريخية

تقدّم الورقة معالجة معمّقة لإشكالية المركز والهامش، رافضة التعامل معها ككتلة صمّاء أو صراع جغرافي تبسيطي. فالهامش، بحسب عرمان، ليس واحدًا، كما أن المركز نفسه متعدد ومتشقق، وفيه قوى استنارة وتقدم يمكن التحالف معها.

يناقش النص قضايا التهميش كـ”حزمة متكاملة” تشمل الاقتصاد، والثقافة، والسياسة، واللغة، والدين، وكتابة التاريخ. ويخصّص مساحة مهمة لموضوع تجارة الرق، والعنصرية، وبناء الدولة الوطنية، باعتبارها جروحًا تاريخية لم تُعالَج بصدق في الوعي السوداني العام.

ومن هنا، يبرز مفهوم الكتلة التاريخية بوصفه حجر الزاوية في مشروع التغيير، لا كتحالف نخبوي عابر، بل كتجميع واسع لقوى اجتماعية وثقافية وسياسية، على أساس برنامج ديمقراطي واضح، وليس مجرد العداء المشترك للنظام القديم.

التنظيم والديمقراطية الداخلية: أزمة البنية لا أزمة الأشخاص

تُعدّ مراجعة الإطار التنظيمي من أكثر أقسام الورقة جرأة. إذ يعترف عرمان بأن فشل الحركة الشعبية في “تغيير المركز” لا يعود فقط إلى القمع أو المؤامرات، بل إلى اختلالات داخلية عميقة، تشمل ضعف الديمقراطية الداخلية، وتضاؤل دور القواعد، وتراكم ظاهرة الانقسامات.

تشدد الورقة على أن الديمقراطية الداخلية وانتخاب القيادة ليسا ترفًا تنظيميًا، بل شرطًا لبناء حركة حديثة قادرة على الصمود. كما تربط بين حقوق المواطنة المتساوية في الدولة، وحقوق العضوية المتساوية داخل التنظيم، معتبرة أن أي انفصام بينهما يُفرغ الخطاب من مضمونه.

وتولي الورقة اهتمامًا خاصًا بدور النساء، والطلاب، والشباب، ليس بوصفهم قطاعات داعمة، بل كقوى قيادية يجب أن تكون في قلب عملية التجديد، مع تطوير وسائل وأشكال جديدة للبناء والتنظيم، تتجاوز الهياكل التقليدية المتكلسة.

من الشعار إلى البرنامج: السودان الجديد كمشروع قابل للحياة

في خاتمتها، تعود الورقة إلى سؤالها المركزي: كيف نُحوِّل رؤية السودان الجديد من حلم أخلاقي كبير إلى برنامج سياسي واقعي؟ ويؤكد عرمان أن الأزمة لم تكن يومًا في الفكرة، بل في ترجمتها العملية.

يدافع النص عن السودان الجديد كمشروع وطني ديمقراطي، لا يناقض الدين، ولا يعادي الثقافات، بل يؤسس لدولة المواطنة، والتنوع، والتعايش، مستلهمًا تجارب الصوفية في التسامح، والمسيحية والديانات الإفريقية في بناء قيم العيش المشترك.

ويختتم عرمان ورقته باستحضار تجربة الدكتور جون قرنق، واصفًا إياها بـ”السباحة في بحر من المتناقضات”، ومؤكدًا أن الوفاء الحقيقي لقرنق لا يكون بتقديسه، بل بامتلاك شجاعته في التفكير، وقدرته على التجديد، والاستعداد الدائم لدفع ثمن المواقف الصعبة.

✨ خلاصة

تشكل ورقة «نحو ميلادٍ ثانٍ» محاولة جادة لإعادة بعث الحركة الشعبية، لا بوصفها تنظيمًا فقط، بل كمشروع تحرر وطني ديمقراطي في زمن الانكسارات. وهي تفتح نقاشًا ضروريًا حول المستقبل، في لحظة يبدو فيها السودان أحوج ما يكون إلى أفكار كبيرة… ولكن هذه المرة، بأدوات جديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!