رأي

حرب السودان: حين يصبح الصراع معركة على المعنى لا على السلطة

عبد الرحمن الحوار

 

عبد الرحمن الحوار 

ليست حرب السودان مجرد صراع مسلح بين قوى عسكرية متنازعة، ولا يمكن اختزالها في أسماء عائلات أو تنظيمات أو قادة بعينهم. إنها، في جوهرها الأعمق، حرب حول المعنى: معنى الوطن، ومعنى الكرامة، ومعنى الدولة، ومعنى المواطنة ذاتها. إنها حرب تعيد طرح أسئلة كان يُفترض أن تكون محسومة منذ قرون، لكنها في السودان ظلت مؤجلة، مهمَّشة، أو مسكوتًا عنها عمدًا.

 

سؤال الدولة الوطنية، بوصفها إطارًا جامعًا ينظم العلاقة بين السلطة والمجتمع، جرى حسمه نظريًا منذ مؤتمر وستفاليا عام 1648، حين تبلور مفهوم الدولة الحديثة القائمة على السيادة، ثم تعزز لاحقًا مع الثورة الفرنسية، التي رسّخت فكرة الدولة باعتبارها تعاقدًا متبادلًا بين الدولة ومواطنيها: حماية مقابل ولاء، حقوق مقابل واجبات، “شيلني وبشيلك”، أو بلغة أبسط: “غني لي وبغني ليك”. الدولة هنا ليست غنيمة، بل عقدًا أخلاقيًا وقانونيًا.

 

الجانب الأكثر غرابة، وربما فداحة، في حرب السودان الحالية، أنها أعادت طرح سؤال الدولة من جديد، رغم أن العالم كله يعرف إجابته منذ أكثر من أربعة قرون. هذا وحده كافٍ لفهم عمق المأساة. فالسودان لم يفشل فقط في بناء دولة حديثة، بل فشل حتى في طرح السؤال التأسيسي البسيط: هل نحن دولة فعلًا؟ أم مجرد سلطة، وجغرافيا، وتاريخ مثقل بالعنف؟

 

هذه الحرب لن تنتهي بانتصار بندقية على أخرى، بل ستنتهي فقط عندما تهزم البندقية نفسها بنفسها، عندما تستنفد قدرتها على فرض المعنى بالقوة. حينها فقط، وربما حينها وحدها، يمكن للإنسان السوداني أن يبدأ في الإجابة على سؤال الدولة، لا بوصفه سؤالًا نظريًا مجردًا، بل بوصفه سؤال حياة ومصير وكرامة.

 

ما يحرك هذه الحرب ليس آل دقلو وحدهم، ولا آل كرتي، ولا أي فاعل سياسي أو عسكري بعينه. الذي يحركها هو التاريخ: انفجار التراكمات المؤجلة، وعجز النخب، وفشل الإجابة على أسئلة التأسيس الأولى. إنها حرب يغذيها غياب المعنى وغياب التعريف. فالدولة، من حيث هي إطار نظري، معروفة المعالم في كل العالم، لكن السؤال الذي لم يُطرح يومًا بجدية في السودان هو: هل كان السودان، أصلًا، دولة بالمعنى الحديث؟

 

إذا لم يُطرح هذا السؤال من قبل، فإن هذه الحرب قد طرحته الآن، وبأقسى الطرق وأكثرها دموية. وفي لحظة اشتعال الحرب، لا يعود هناك تعريف مستقر للوطن، ولا للكرامة، ولا للمواطنة. كل المفاهيم تصبح معلّقة، قابلة للتشويه، أو للمصادرة بالقوة.

 

قال الجنرال الفيتنامي جياب ذات يوم: «عندما تشرب الماء، تذكّر النبع». وفي حالة السودان، لعل النبع هو لحظة التأسيس التي لم تُنجز، والسؤال الذي تم تجاهله طويلًا، حتى عاد إلينا اليوم في هيئة حرب.

هذه ليست حربًا على الأرض فقط، بل حرب على المعنى… ومن دون استعادة المعنى، لا يمكن أن يكون هناك سلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!