
فاطمة لقاوة
ليس لدي خلاف مع د. الوليد آدم مادبو بقدر ما هو إختلافً في توصيف المأساة، بل في موضع تحميل المسؤولية.
حين يُختزل ما جرى في السودان في ثنائية “الحنان الزائد” و“الفرصة الضائعة”، يُغفل عمداً السؤال الأخطر:من خذل من؟ ومن خطط للغدر؟ ومن حوّل الثورة إلى فخ؟
الجنرال محمد حمدان دقلو (حميدتي) لم يدخل السياسة باحثًا عن مجدٍ شخصي ولا سلطانٍ موروث،بل دخلها محمولًا على واقعٍ تشكّل في أقسى جغرافيا السودان، في أدقال دارفور.
هناك، حيث لم تكن الدولة سوى إسمٍ في الخرائط، والمركز لم يُنتج تنمية ولا تعليمًا ولا عقدًا إجتمعيًا متماسك، بل أنتج حروب وكالة، وسلّح القبائل ضد بعضها البعض ،ثم تبرأ من دمائها.
في تلك البيئة، لم يكن متاحًا ترف للوعي السياسي ولا حاضنة مدنية ناضجة تقوم على أساس العدل و المساوة بين الجميع.
الحركات المسلحة التي رُفعت شعارات التحرر باسم الهامش، كانت – في كثير من مراحلها – مخترقة بعصابات النهب والعنصريين، وأُستُخدمت لإتهاض المجتمعات الرعوية، لا للتحريرها كشعوب ذاقت ذات المعاناة أيضا.
المركز نفسه هو من صنع الفوضى هذة، و رتبت إستخباراته جميع الفجوات و صناعة الأحداث التي تقود القبائل لقتال بعضها البعص،ثم اتهم أبناء الهامش بالوحشية.
حميدتي واحد من أولئك الفرسان الذين حملوا السلاح دفاعًا عن مجتمعهم، لا حبًا في القتال، لكنه، بخلاف كثيرين، لم يستكن للتدجين، ولم يقبل أن يكون أداة تُستهلك ثم تُرمى.
صدمته الأولى لم تكن في الحرب، بل في عنصرية الدولة نفسها، وفي التمييز الممنهج ضد كوادر الهامش مهما بلغت كفاءتهم،وتدجينهم ليكونوا عجينة طائعة تُشكل وفق متطلبات المركز و تؤدي مهامة ضد أهلها دون أن يرجف لها جفن.
حين جاءت الثورة السودانية، إنحاز لها الرجل بصدقٍ كامل،لم يركب موجتها، بل حماها في لحظاتها الحرجة،وأجبر لجنة البشير الأمنية تسارع لإعلان تنحيه،لكن هنا تحديدًا بدأ الخذلان الأكبر:خذلان النخب المركزية التي لم تحتمل فكرة أن يشاركها رجلٌ من خارج ناديها المغلق في تقرير المصير ويكون محط انظار الجميع ويكسب قلوب الشعب السوداني بمختلف انتماءته.
وخذلان أحزابٍ تعاملت مع الثورة كغنيمة، لا كمشروع دولة،لذلك سعت قيادات تلك الأخزاب للمتاجرة ،وجلبت هتِفتها ليصيحوا ضد الرجل مستغلين الأحداث المصنوعة بأيديهم ومن معهم من الكيزان الحاقدين.
وخذلان عسكريين طامعين في كراسي السُلطة، تحالفوا سرًا مع السياسيين لإقصائه، ثم إنقلبوا على الجميع.
حرب 15 أبريل لم تكن صدفة، ولا إنفجارًا عفويًا،هي مشروع إقصاء دموي مُخطط له بعناية، هدفه تصفية قيادة الدعم السريع، وإعادة إنتاج دولة الإمتيازات بالقوة.
منذ صبيحة ذلك اليوم، والرجل يُقاتَل لا فقط في الميدان، بل في ساحات التشويه، والتقارير المفبركة، والدعاية السوداء.
نعم، كانت هناك ثلاث لحظات – كما تقول بصدقٍ موجع – كان يمكن فيها لحميدتي أن يفعل “الضربة القاضية”:
اللحظة الاولى “أمام القيادة العامة”،حيث كانت الفرصة متاحة له كما ذكرت انت يا ابا النعمان ،وفي إمكانه اعلان محاكمة ميدانية لخونة الكيزان و التخلص منهم مباشرة ،و إختيار برلمان شعبي من ميدان الاعتصام لإدارة الفترة الانتقالية،وحل الأحزاب و تكوين حزبين كبيرين وصياغة دستور.
اللحظة الثانية كانت في إنقلاب 25 أكتوبر،حيث كان في إمكان حميدتي اعتقال البرهان وكيزانه و أعلان عودة حمدوك بطاقم كفاءات وإبعاد الأحزاب لتعود ادارجها وتستعد للإنتخابات.
اللحظة الثالثة كانت في قاعة الصداقة،يوم الجلسة الإفتتاحية للجنة الترتيبات الأمنية،وكانت فرصة لأعتقال البرهان وعصابته داخل القاعة ،وكان يمكن للدم أن يُحصر هناك، بدل أن يعم السودان كله.
الحقيقة القاسية هي أن الرجل دخل السياسة بروح البداوة النقية؛ بروح الوفاء، والثبات على الكلمة،والرهان على الشركاء،لم يكن يتوقع من يتعامل معه خائنًا، بل كان يثق أكثر مما ينبغي، وذاك – في عالم السياسة السودانية – خطيئة لا تُغتفر.
ما يجري اليوم من إستهداف إعلامي ممنهج، ومن صناعة “ضحايا جاهزين”، ومن تسويق روايات إنتقائية كاذبة، ليس دفاعًا عن المدنيين، بل محاولة لإسقاط آخر تهديد حقيقي لبنية الإمتيازات التاريخية.
عصابة بورتسودان لا تقاتل من أجل الدولة، بل من أجل إستعادة إحتكارها لها،و الحفاظ على إمتيازاتهم التاريخية التي سرقوها من سعادة الشعب السوداني.
حميدتي، رغم الحرب، ما زال مؤمنًا بالقومية، وبفكرة الدولة، وبأن السياسة ليست ثأرًا .
قالها بوضوح في أديس:المنتصر في هذه الحرب ندمان.
تلك ليست لغة مجرم حرب، بل لغة رجل يرى الخراب ويعرف كلفته،السؤال الحقيقي، يا أبا النعمان، ليس: هل كان يمكن أن يكون أكثر قسوة؟بل: هل كان السودان سيصل إلى هذا الجحيم لو لم يُخذل رجل صدق مع الثورة، وحاول أن يحميها دون أن يلطخها بدم الأبرياء؟
وهل سيجد هذا الرجل – يومًا ما – صادقين حوله؟
أم أن قدر السودان أن يُغدر بكل من حاول كسر حلقة المركز، ثم يُبكي على الأطلال؟
سؤال يؤرقنا جميعًا،
ولنا عودة بإذن الله
الأربعاء،١٥يناير/٢٠٢٦م




