رأي

لماذا استُهدف الدعم السريع؟ حين يصبح الانحياز للثورة جريمة

ابو عبدالله الراشدي

 

أبو عبد الله الراشدي

منذ الأيام الأولى لثورة ديسمبر، كان واضحاً أن الصراع في السودان لن يُحسم فقط بإسقاط رأس النظام، بل بموقف القوى المسلحة من إرادة الشارع. فالثورات لا تنتصر بالشعارات وحدها، بل بانحياز موازين القوة إلى جانبها. في هذا السياق، برز موقف قوات الدعم السريع كعامل حاسم أربك حسابات جماعات الهوس الديني وقوى الردة، وجعلها ترى في هذه القوات العقبة الأكبر أمام مشروعها للانقضاض على الثورة وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

لقد انحازت قوات الدعم السريع مبكراً لثورة ديسمبر، قبل سقوط عمر البشير، في لحظة كان فيها ميزان القوة لا يزال يميل لصالح النظام. هذا الانحياز لم يكن تفصيلاً عابراً، بل شكّل منعطفاً حاسماً في مسار الأحداث، إذ ساهم في تحييد آلة القمع، وفتح الطريق أمام الجماهير لمواصلة ضغطها حتى إسقاط رأس النظام. لذلك لم يكن غريباً أن تجد هذه المواقف ارتياحاً واسعاً وسط الشارع السوداني.

الهتافات التي صدحت بها حناجر الثوار في ساحات الاعتصام والشوارع لم تأتِ من فراغ. لقد عبّرت عن قراءة شعبية واعية لمواقف على الأرض، وعن تقدير لدور رآه الناس داعماً لخياراتهم في الحرية والتغيير. هذا القبول الشعبي، وتلك الثقة النسبية، كانا بمثابة ناقوس خطر لجماعات الهوس الديني التي اعتادت احتكار السلاح والسلطة معاً، واعتبار أي قوة لا تدور في فلكها تهديداً وجودياً.

منذ ذلك الحين، بدأت محاولات منظمة لشيطنة قوات الدعم السريع. لم يكن السبب أخطاء هنا أو تجاوزات هناك، بل الموقف السياسي الواضح: رفض عودة الإسلامويين، ورفض تمكين قوى الردة من اختطاف الثورة، ورفض استخدام السلاح لقمع الشارع. هذه المواقف وضعت الدعم السريع في مواجهة مباشرة مع مشروع قديم متجدد، يرى في ثورة ديسمبر خطراً على امتيازاته، وفي أي قوة تحميها عدواً يجب القضاء عليه.

تجلّى هذا العداء بشكل أوضح بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021. ففي وقت اندفعت فيه قوى الردة لإغلاق المجال السياسي بالكامل، سجّل الدعم السريع موقفاً مختلفاً بتراجعه السريع عن الانقلاب، ورفضه قمع المتظاهرين، ثم توقيعه على الاتفاق الإطاري، وإعلانه المستمر أن لا حل عسكرياً للأزمة، وأن السلام هو الخيار الوحيد. هذه المواقف عمّقت قناعة الإسلامويين بأن بقاء هذه القوة يعني استحالة عودتهم الكاملة إلى السلطة.

من هنا، يمكن فهم الحرب التي اشتعلت لاحقاً خارج إطار السرديات المبسطة. فاستهداف قوات الدعم السريع لم يكن معزولاً عن تاريخ مواقفها من الثورة، بل كان جزءاً من خطة أوسع لتصفية كل ما تبقى من عوائق أمام مشروع الانقضاض الشامل. لقد رأت جماعات الهوس الديني أن الطريق إلى الحكم يمر عبر تدمير هذه القوة، حتى لو كان الثمن هو إشعال حرب مدمرة على أشلاء ودماء الشعب السوداني.

ولتحقيق ذلك، سخّرت هذه الجماعات آلتها الإعلامية الضخمة، محلياً وخارجياً، لإنتاج دعاية سوداء غير مسبوقة. وهي دعاية ليست جديدة على تاريخ الإخوان المسلمين في السودان، الذين درجوا منذ انقلابهم المشؤوم في 1989 على شيطنة الرأي الآخر، ومصادرته، وتشويه خصومهم، وتبرير القمع باسمه. اليوم، يُعاد إنتاج الأسلوب ذاته، مع اختلاف الهدف والزمان.

لكن مهما بلغ حجم التضليل، تبقى الحقائق عصية على الطمس. فالشعب السوداني الذي خرج بالملايين وأسقط نظاماً جثم على صدره ثلاثين عاماً، قادر على التمييز بين من وقف مع ثورته ومن تآمر عليها. واستهداف قوات الدعم السريع، في جوهره، هو استهداف لخيارات ديسمبر نفسها، ومحاولة لمعاقبة كل من تجرأ وقال لا لعودة جماعات الهوس الديني.

إن معركة الوعي اليوم لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى. فإدراك أسباب هذه الحرب، ومن يقف خلفها، ولماذا جرى استهداف الدعم السريع تحديداً، هو خطوة أساسية لحماية ما تبقى من حلم ديسمبر. فالثورة التي أنحاز لها من حملوا السلاح ورفضوا قمع الجماهير، لن تموت، مهما اشتدت حملات التشويه، ومهما طال ليل التضليل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!