
سمية النور دهب
ما حدث للحوازمة والشنابلة خلال منتصف يناير ليس مجرد حادث عابر أو انفلات أمني، بل استراتيجية منسقة تستهدف المدنيين العزّل على أساس الانتماء والهوية. القرى التي طالتها الهجمات لم تكن ساحات معركة، ولم يكن سكانها سوى بشر يحاولون العيش بسلام. ومع ذلك، تحولوا إلى أهداف للتنكيل والنهب والترويع، ليصبح الانتماء سببًا للقتل، والحياة اليومية ذريعة للعقاب الجماعي.
إن وصف ما جرى بأنه تجاوزات أو أخطاء “ميدانية” هو تزوير للواقع وإخفاء للجرم. ما وقع هو قتل متعمد للأطفال والنساء وكبار السن، ونهب للجِمال والأبقار التي تمثل مصدر العيش، وحصار للقرى يُحوّل حياة الناس إلى صراع يومي من أجل البقاء. هذه ليست مجرد أعمال عنف عابرة، بل جريمة حرب مكتملة الأركان تُدار بمنطق العقاب الاجتماعي والإقصاء.
الأخطر أن هذه الجرائم تُرتكب تحت غطاء أيديولوجي، وبواسطة قوات ليست سوى شبكات ارتزاق مسلحة وزبانية جيش الحركة الإسلاموية. حين يُقدَّم هذا العنف على أنه واجب وطني، يتحول السلاح إلى أداة لإلغاء وجود الآخر، ويصبح القتل صناعة متكررة، لا رد فعل عابر. ما نراه اليوم ليس مواجهة، بل تنفيذ خطة لتدمير النسيج الاجتماعي، وخلق دوامة خوف مستمرة، وترك آثار طويلة على الأجيال القادمة.
الصمت المحلي والدولي زاد الطين بلّة. غياب الرصد والمحاسبة جعل من الإفلات من العقاب قاعدة، ومن الهجوم على المدنيين حدثًا “مقبولًا” في نظر من يملك السلاح. العدالة ليست خيارًا هنا، بل ضرورة حياتية. من دون مساءلة حقيقية، ستظل الجرائم تتكرر، وستظل القرى تدفع الثمن، وستظل فكرة الدولة مجرد شعار بلا مضمون.
إن إنصاف الحوازمة والشنابلة يبدأ بالاعتراف بما جرى ورفض أي خطاب يبرر استهداف المدنيين، ويستمر بحماية المجتمعات وإعادة الحقوق المنهوبة. لا سلام يمكن أن يُبنى على إنكار الحقيقة أو الصمت عن المجرم، والسلام الحقيقي هو الذي يضع الإنسان فوق كل انتماء، ويعيد له حقه في الحياة والكرامة والأمن.
هذا هو الطريق الوحيد لإنقاذ ما تبقى من مجتمعات مستهدفة، ولوقف دورة العنف المستمرة، ولضمان ألا تصبح حياة المدنيين مجرد ورقة تُلعب في صراع لا علاقة لهم به.




