
زينب حسن سعيد
لا يمكن اختزال المأساة السودانية الراهنة في تقارير غرف العمليات أو صراع “الجنرالات” على السلطة؛ فالحرب الحقيقية تشنها “دولة الامتياز” ضد “إنسان الهامش” منذ عقود. إن ما يمارسه الجيش السوداني اليوم هو ذروة مشروع “الإبادة الشاملة” الذي لا يكتفي بالرصاص، بل يمتد لاستخدام الكيماوي، والمحو الإداري، وتزييف التاريخ عبر آلة إعلامية باعت ضميرها لنخبة أدمنت التسلط.
أولاً: الكيماوي والمسيّرات.. حين يعود تاريخ “جبل مرة“
لم يكن استخدام الأسلحة المحرمة دولياً مجرد ادعاء؛ فمنظمة العفو الدولية وثقت منذ عام 2016 استخدام الجيش للسلاح الكيماوي في جبل مرة بدارفور. اليوم، تتكرر المأساة بتقنيات أحدث؛ حيث يُستخدم الطيران المسيّر (الدرون) لاستهداف “الحواضن الاجتماعية” بدم بارد. إن قصف الأسواق ومحطات المياه في مناطق الهامش ليس “خطأً عسكرياً”، بل هو تنفيذ لعقيدة “الأرض المحروقة” لتهجير السكان الأصليين وتدجين الإرادة الثائرة.
ثانياً: “الإعدام المدني”.. بورتسودان ومقصلة الهوية
في سابقة تخالف المادة (15) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حولت قيادة الجيش في “بورتسودان” السجل المدني والأوراق الثبوتية إلى جبهة قتال ومقصلة لـ “الإعدام المدني”:
النفي القانوني: إن حرمان أبناء غرب السودان والمناطق المهمشة من الرقم الوطني والجواز هو عملية “فرز قسري” تهدف لتحويل أصحاب الأرض إلى غرباء في وطنهم، ومحو وجودهم القانوني بجرّة قلم.
الحصار المعرفي: تعطيل المنهج الدراسي ومنع الامتحانات عن مناطق بأكملها يهدف لتجهيل أجيال “الهامش”، بينما يُستخدم الحصار الاقتصادي لتجويع الحواضن التي طالبت بعدالة تقسيم الثروة والسلطة.
ثالثاً: جيش التأسيس.. الصرخة التي هزت عرش التهميش
بينما يتباكى إعلام المركز على أطلال “دولة الامتياز”، يبرز “جيش التأسيس” كضرورة تاريخية لا غنى عنها. هذا الجيش لم يخرج من فراغ، بل وُلد من رحم المعاناة في كاودا، وجبال النوبة، ودارفور؛ تلك المناطق التي استُنزفت مواردها من ذهب وزراعة لتمويل طائرات الموت التي تقصفها.
يقاتل “جيش التأسيس” اليوم لاسترداد “الأراضي المنهوبة” وإعادة بناء سودان جديد، لا تسيطر فيه نخب الخرطوم على مقدرات البلاد بينما يعيش أصحاب الأرض الحقيقيون تحت خط الفقر والتهديد الوجودي.
رابعاً: التواطؤ الإعلامي وشيطنة المظلوم
إن الخطيئة الكبرى تكمن في “إعلام الفلول” وأبواق المركز التي تمارس تعتيماً ممنهجاً على فظائع الجيش التاريخية. هذا الإعلام يركز مجهره على ردود فعل المظلومين، بينما يتجاهل “فعل الظالم” المستمر منذ مجازر 2003. إنهم يحاولون شيطنة القوى المدافعة عن المهمشين لتبرير استمرار سلطة العسكر، متجاهلين أن أصل الصراع هو غياب العقد الاجتماعي الحقيقي وعدالة التوزيع.
خاتمة:
على جنرالات بورتسودان أن يدركوا أن “المواطنة” ليست منحة يُنعمون بها على من يشاءون، وأن سياسة “الإعدام المدني” لن تزيد أصحاب الأرض إلا تمسكاً بحقهم. إن “جيش التأسيس” ليس مجرد قوة عسكرية، بل هو إعلان عن نهاية عصر “التبعية” وبداية فجر السودان الذي يتسع للجميع بلا إقصاء أو تهميش.




