كردفان تُباد خارج الضوء تقرير حول أنماط القتل الجماعي والاستهداف العرقي للمدنيين في إقليم كردفان
التنوير .. تقرير حول قتل وإبادة المدنيين

التنوير .. تقرير حول قتل وإبادة المدنيين
ملخص تنفيذي
يوثق هذا التقرير سلسلة من الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت بحق المدنيين في إقليم كردفان بغرب السودان خلال الفترة من 14 إلى 17 يناير، والتي ترقى، وفق القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مع مؤشرات قوية على الاستهداف العرقي المنهجي.
اعتمد التقرير على إفادات شهود عيان، ناجين، مصادر محلية، وبيانات منظمات مدنية، ويكشف عن نمط من العنف المنظم الذي استهدف قرى مأهولة بالسكان دون وجود أعمال عدائية مباشرة، وأسفر عن مقتل مئات المدنيين، وتهجير جماعي قسري، ونهب واسع النطاق، وتدمير ممنهج لوسائل العيش.
السياق العام
منذ اندلاع الحرب في السودان، تحوّل إقليم كردفان إلى مسرح معقّد لتقاطعات عسكرية وأمنية وسياسية. غير أن ما جرى خلال منتصف يناير لا يمكن فهمه بوصفه امتدادًا تقليديًا للعمليات القتالية، بل يمثل تحوّلًا نوعيًا في طبيعة العنف، حيث أصبح المدنيون هم الهدف المباشر.
تُظهر الوقائع أن الهجمات لم تكن رد فعل لمعركة، ولا نتيجة لاشتباكات ميدانية، بل جاءت في إطار اقتحام قرى آمنة، بعيدة عن أي وجود عسكري فعّال، ما ينفي أي مبرر قائم على الضرورة العسكرية.
نمط الهجمات وطبيعتها
تشير إفادات ميدانية متطابقة إلى أن القرى المستهدفة تعرّضت لهجمات منسّقة نفذتها قوات نظامية متحالفة مع مليشيات مسلحة وكتائب ذات طابع أيديولوجي.
وقد اتسمت هذه الهجمات بالخصائص التالية:
1. اقتحام القرى دون إنذار مسبق
2. إطلاق نار مباشر على المدنيين
3. قتل خارج نطاق القانون
4. حرق المنازل والمرافق المدنية
5. نهب الممتلكات ووسائل العيش
6. اعتقالات تعسفية وإخفاء قسري
لم تُسجَّل أي معارك أو مواجهات مسلحة في مواقع الهجوم، ما يؤكد أن العنف كان أحادي الاتجاه وموجّهًا ضد السكان المدنيين حصريًا.
الاستهداف العرقي والتمييز
أبرز ما يميّز هذه الهجمات هو طابعها العرقي الواضح.
تشير الشهادات إلى أن الاستهداف طال بصورة أساسية مكونات اجتماعية بعينها، لا سيما الحوازمة والشنابلة، مع ممارسات فرز على أساس الهوية والانتماء القبلي.
هذا النمط يعيد إلى الأذهان سياسات التطهير العرقي التي شهدها السودان في أقاليم أخرى، ويعزّز فرضية أن ما يجري في كردفان لا يندرج ضمن العنف العشوائي، بل يمثل ممارسة تمييزية ممنهجة.
النطاق الجغرافي للانتهاكات
امتدت الهجمات لتشمل عشرات القرى والتجمعات السكانية، من بينها:
علوبة، أم قليب، دبيكر، الأُضية قرعان، الحويجز، ركّونة، أم رمتة، الفضليين، البريكة، البريكة كنانة، السنيطاب، البحيرة، النرجس، الحميراء، البركة المدينة، البشمة، الدبيبة، أم كريدم، شوشاي، وأم هبيلا.
هذا الاتساع الجغرافي يؤكد وجود خطة عملياتية موحّدة، لا أعمال فردية معزولة، ويشير إلى درجة عالية من التنسيق.
الخسائر البشرية والمادية
وفق معطيات أولية:
مقتل أكثر من 220 مدنيًا، معظمهم من الرعاة والمزارعين
تسجيل 912 شخصًا مفقودًا حتى تاريخ إعداد التقرير
اعتقال أعداد كبيرة من المدنيين دون مسوغات قانونية
نهب 270 ناقة و850 رأسًا من الأبقار
فقدان أعداد كبيرة من الأغنام والماعز
تمثل هذه الخسائر ضربة قاتلة للبنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المحلية، حيث يعتمد السكان بشكل شبه كامل على الرعي والزراعة كمصدر للعيش.
التهجير القسري وتدمير وسائل العيش
أسفرت الهجمات عن نزوح جماعي واسع، حيث اضطر آلاف المدنيين إلى الفرار دون ممتلكاتهم، في ظروف إنسانية قاسية، مع انعدام المأوى والغذاء والرعاية الصحية.
إن تدمير القرى ونهب الماشية لا يمثل فقط انتهاكًا فرديًا، بل يشكل سياسة تهجير قسري ممنهجة، محظورة بموجب القانون الدولي.
استهداف المرافق المدنية والصحية
يُعد قصف مستشفى المجلد المرجعي مثالًا صارخًا على الانتهاكات الجسيمة، حيث أدى هجوم بطائرات مسيّرة إلى مقتل مدنيين، بينهم كوادر طبية، وإصابة العشرات.
وفق اتفاقيات جنيف، فإن استهداف المنشآت الطبية يُصنَّف كـجريمة حرب مكتملة الأركان، خاصة في ظل غياب أي استخدام عسكري للمرفق.
التوصيف القانوني
وفقًا لـ:
اتفاقيات جنيف الأربع
البروتوكولات الإضافية
نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية
فإن الأفعال الموثقة في هذا التقرير ترقى إلى:
جرائم حرب
جرائم ضد الإنسانية
ممارسات تطهير عرقي محتملة
ولا تسقط هذه الجرائم بالتقادم، وتستوجب المساءلة الجنائية الفردية.
الإفلات من العقاب
يُسهم غياب التحقيقات الوطنية المستقلة، والصمت الدولي، في تكريس ثقافة الإفلات من العقاب، ما يشجع على تكرار الجرائم وتوسّعها جغرافيًا وزمنيًا.
العنف الممنهج الذي يستهدف الإنسان في وجوده
ما يجري في كردفان ليس حدثًا عابرًا، بل نمط مستمر من العنف المنهجي الذي يستهدف الإنسان في وجوده وكرامته وسبل عيشه.
إن تجاهل هذه الجرائم لا يلغيها، بل يمنحها شرعية الصمت.
سيظل سجل العدالة مفتوحًا، وستظل ذاكرة الضحايا شاهدة، إلى أن تُسمّى الجرائم بأسمائها، ويُحاسَب مرتكبوها، ويُعاد الاعتبار لمجتمعات دُمّرت لأنها وُجدت في المكان الخطأ.




