تقارير وتحقيقات

نيروبي تختبر قدرة القوى المدنية على تحويل رفض الحرب إلى مشروع دولة للحكم

التنوير : تقرير سودان ستوري 

التنوير : تقرير سودان ستوري 

اجتماع جديد فوق ركام وحدات سياسية متبددة

حين تلتئم القيادات المدنية السودانية في نيروبي بين 19 و21 يوليو، لن تكون أمام مناسبة بروتوكولية للاحتفاء بوحدة تحققت، بل أمام امتحان سياسي قاسٍ لوحدة تآكلت سريعاً بين نيروبي وأديس أبابا ونيون. لكنها، في المقابل، لا تزال تفتقر إلى مركز قرار ملزم، وقاعدة اجتماعية منظمة، وآلية تضبط خلافاتها وتحولها من تجمع نوايا حسنة إلى قوة سياسية قادرة على الفعل.

المشكلة لم تعد في غياب اللغة المشتركة؛ المعضلة الحقيقية هي أن كل اتفاق ظل قابلاً للتأويل، وكل خلاف تحول إلى وثيقة موازية، وكل منصة جديدة أعادت طرح السؤال نفسه: من يتحدث باسم المدنيين، وبأي تفويض، ولأي غاية؟

إعلان المبادئ يكشف حدود التوافق السياسي المؤجل

في مايو، غادرت القوى الموقعة على إعلان المبادئ نيروبي وهي تحمل ميثاقاً وخارطة طريق تتضمنان إنهاء الحرب، وإقامة حكم مدني، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية، وتأسيس دولة ديمقراطية اتحادية تقوم على المواطنة المتساوية والفصل بين الدين والدولة.

اعتراض حزب الأمة القومي على النص المتعلق بالفصل بين الدين والدولة كشف هشاشة الإجماع. لم يرفض الحزب الميثاق كله، لكنه طالب بتأجيل القضية إلى مؤتمر دستوري جامع بعد الحرب. غير أن تاريخ السودان يجعل التأجيل نفسه مثيراً للريبة؛ فالنخب رحّلت مراراً قضايا الهوية والدين ونظام الحكم إلى مستقبل لم يصل أبداً.

وهكذا وجد الإعلان نفسه أمام تناقض حاد: إن تجنب تعريف الدولة فقد معناه، وإن اقترب من تعريفها بدأ يفقد بعض الموقعين عليه.

أديس أبابا نقلت الخلاف من الهامش للمتن

جاءت مشاورات أديس أبابا لتكشف أن الاتفاق على المبادئ لا يعني الاتفاق على العملية السياسية. فقد دخلت القوى المدنية الاجتماعات وهي تتحدث عن مسار شامل يقوده المدنيون، لكنها لم تستطع حسم تعريف الشمول، ولا حدود المشاركة، ولا معايير الاستبعاد.

رفضت أطراف الجلوس مع قوى عدتها امتداداً للنظام السابق، بينما طالبت أخرى بإبعاد التحالفات المرتبطة بقوات الدعم السريع. وتحول النقاش من كيفية إنهاء الحرب إلى من يملك حق الجلوس لمناقشة إنهائها.

المشكلة ليست في تعدد الآراء، فالديمقراطية لا تفترض التطابق. المشكلة أن التحالف لا يملك قواعد معترفاً بها لتحديد متى يكون موقف أحد مكوناته تحفظاً مشروعاً، ومتى يصبح نقضاً لموقف المجموعة. المرونة التي سمحت بتوسيع الإعلان تحولت، في الوقت نفسه، إلى عائق يمنعه من التحول إلى كتلة سياسية فعالة.

كتلة بلا قيادة لا تصنع تفويضاً تفاوضياً

يقول وجدي صالح إن القوى المنضوية تحت الإعلان ليست جبهة سياسية واحدة، لكنها تسعى إلى التحرك ككتلة واحدة. العبارة صريحة، لكنها تكشف أيضاً جوهر الأزمة التنظيمية. فالكتلة تحتاج إلى قيادة، وقواعد قرار، وحد أدنى ملزم، وآلية تمنع أعضاءها من توقيع أوراق متعارضة باسم المصلحة الوطنية نفسها.

الاحتفاظ باستقلال كامل لكل حزب، مع توقع تصرف الجميع كجسم واحد عند المنعطفات، معادلة يصعب استمرارها.

المنصات التنسيقية تستطيع إصدار البيانات وترتيب اللقاءات، لكنها لا تستطيع ممارسة السياسة التفاوضية من دون تفويض. ولذلك يصبح اجتماع نيروبي مطالباً بأكثر من مراجعة السلبيات؛ عليه أن يضع قواعد عملية للقرار، وأن يحدد الجهة المخولة بالتحدث، وحدود ما يمكن أن توقع عليه باسم الجميع.

المسار المدني يصطدم بسلطة الوقائع المسلحة الميدانية

اعتراض ياسر عرمان وتياره على إطلاق مسار مدني منفصل عن الملفين الإنساني والعسكري طرح سؤالاً صحيحاً ومزعجاً: ما قيمة عملية سياسية يقضي المدنيون أشهراً في تصميمها، بينما يواصل حاملو السلاح تحديد من يأكل، ومن ينزح، وأي مدينة تحاصر، وأي طريق يفتح؟

إذا انفصل المسار السياسي عن التفاوض العسكري، فقد يتحول إلى حوار في الفراغ، يمنح المجتمع الدولي صورة مريحة عن مدنيين يتناقشون بعقلانية بينما تستمر الحرب في إنتاج واقع جديد. وإذا ارتبط منذ البداية بمفاوضات الجيش وقوات الدعم السريع، يصبح المدنيون ملحقاً سياسياً باتفاق يملكه المسلحون، ويقتصر دورهم على منحه اللغة الديمقراطية والشرعية المدنية.

هذه هي المعادلة القاسية: من يحمل السلاح يمتلك قدرة تعطيل السلام، ومن لا يحمله يُطلب منه توفير شرعية التسوية. ومن هنا لا يكفي الحديث عن مسار مدني؛ المطلوب تحديد علاقته بمسارات وقف إطلاق النار، والإغاثة، وحماية المدنيين، والترتيبات الأمنية.

نيون أثبتت أن الجلوس ليس اتفاقاً سياسياً

قدمت مشاورات نيون السويسرية فرصة لجمع خصوم سياسيين في قاعة واحدة وربط النقاش السياسي بقضايا وقف الحرب وحماية المدنيين والترتيبات الانتقالية.

لكن نيون كشفت أيضاً أن المصافحة ليست مؤسسة. فقد استمرت الخلافات حول مشاركة القوى المرتبطة بتحالف السودان التأسيسي، وشروط علاقتها بقوات الدعم السريع، وموقف العملية من المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وحدود الشمول الممكن من دون إعادة إدخال القوى التي ساهمت في تقويض الدولة.

يرى اتجاه أن العملية التي تستبعد قوى مؤثرة ستفشل في إنهاء النزاع، بينما يخشى اتجاه آخر أن يتحول الشمول إلى غطاء لمكافأة من ساهموا في الحرب. وهذا هو مأزق السودان: كل عملية واسعة بما يكفي لتكون مؤثرة تضم أطرافاً لا يثق بعضها في بعض، وكل عملية منسجمة بما يكفي لاتخاذ قرار تستبعد أطرافاً تستطيع إفشالها.

الحياد الأخلاقي لا يساوي برنامجاً للحكم الوطني

تستمد القوى الرافضة للحرب شرعيتها الأساسية من رفض الاصطفاف خلف الجيش أو قوات الدعم السريع، ومن تأكيدها أن السودانيين ليسوا مطالبين باختيار الجنرال الذي سيحكمهم. هذا موقف ضروري، لكنه لا يكفي لبناء بديل سياسي.

فالمسافة الواحدة مفهوم هندسي أكثر منه سياسياً. الجرائم لا تقع بالقدر نفسه دائماً، والمسؤوليات ليست متطابقة، والحياد لا يجيب وحده عن أسئلة الأمن والعدالة والاقتصاد وإدارة المناطق التي انهارت فيها مؤسسات الدولة.

كما أن شعار «لا للحرب» لا يوضح طبيعة العلاقة مع سلطة بورتسودان، ولا مع المؤسسات التي أقامها تحالف السودان التأسيسي، ولا مع الإدارات المحلية التي تدير حياة ملايين المواطنين في غياب الدولة. الموقف الأخلاقي يخبر الناس بما لن تفعله هذه القوى، لكن المواطن الذي فقد منزله ومدرسته ومصدر رزقه يحتاج إلى معرفة ما الذي ستفعله، وبأي موارد، ومن خلال أي مؤسسات.

أحزاب كثيرة وقاعدة اجتماعية شديدة الضيق والهشاشة

انعقاد اجتماع نيروبي على مستوى رؤساء الأحزاب قد يكون ضرورياً، لأن الخلافات تجاوزت اللجان الفنية. لكنه لا يعالج أزمة التمثيل، وربما يجعلها أكثر وضوحاً. فالقوى الرافضة للحرب ليست مرادفاً للأحزاب الموقعة على إعلان المبادئ.

هناك لجان مقاومة، ونقابات، ومبادرات إنسانية، وشبكات نسوية وشبابية، وإدارات مجتمعية، ومجموعات مهنية أعادت الحرب تشكيلها.

تحمل الأحزاب خبرة سياسية معتبرة، لكنها تحمل أيضاً إرثاً من الانشقاقات والتنازع حول الشرعية التنظيمية. وإذا لم ينفتح الإعلان على القوى الموجودة داخل السودان، فقد يتحول إلى تحالف سياسيين يمثلون بعضهم بعضاً في العواصم الخارجية.

في السياسة، لا توجد قوة بلا مصدر. المسلح يملك السلاح، والدولة تملك المؤسسة، والحزب يملك التنظيم والجمهور. أما المنصة التي لا تملك سوى سلامة موقفها، فقد تحظى بالاحترام، لكنها لن تفرض على أحد شيئاً.

الدولة تحتاج دستوراً للخلاف لا بياناً جديداً

يستطيع اجتماع نيروبي إصدار وثيقة جيدة أخرى، أكثر دقة في صياغاتها وأشد حرصاً على العبارات التي أثارت النزاع. لكن ذلك سيكون الإنجاز الأسهل والأقل فائدة. ما تحتاج إليه هذه القوى هو دستور داخلي للخلاف، لا بيان ختامي إضافي.

يجب تحديد من يملك اتخاذ القرار، وما الحد الأدنى الذي يلتزم به الجميع، وما القضايا التي يمكن تأجيلها، وما القضايا التي يؤدي تأجيلها إلى إفراغ المشروع من مضمونه. كما ينبغي وضع قواعد للتعامل مع توقيع أحد المكونات على وثيقة لا يوافق عليها الآخرون، وتحديد ما إذا كان ذلك تحفظاً فردياً أم خروجاً عن الموقف المشترك.

وتحتاج القوى كذلك إلى حسم بنية العملية السياسية: هل تريد مساراً مدنياً مستقلاً يحدد الرؤية قبل مخاطبة المسلحين، أم عملية متكاملة تجمع الملفات الإنسانية والعسكرية والسياسية؟ لكل خيار مخاطره، لكن إبقاء الخيارين تحت صياغة غامضة ليس حلاً، بل ترحيل للخلاف إلى الاجتماع التالي.

البديل السياسي يبدأ حين تنتهي منطقة الراحة

المفارقة الكبرى أن القوى الرافضة للحرب تخشى أن تتحول إلى تحالف يتنافس على السلطة، ولذلك تصر على أنها إطار تنسيقي لا جبهة حكم. غير أن بناء الدولة نشاط سلطوي بطبيعته؛ فهو يتطلب قرارات ملزمة، وتحديد أولويات، وتوزيع موارد، وتنظيم القوة، واختيار من يتولى المؤسسات.

من يرفض التفكير في السلطة يتركها عادة لمن لا يتردد في استخدامها. ولذلك لا تكمن المشكلة في عجز هذه القوى عن توحيد كل السودانيين، فهذا هدف غير واقعي. المشكلة أنها لم تحسم إن كانت تريد أن تكون ضميراً للسياسة السودانية أم بديلاً سياسياً.

الضمير يستطيع إدانة الطرفين، أما البديل فعليه أن يقرر، ويختلف، ويخسر حلفاء، ويكسب جمهوراً، ويتحمل مسؤولية خياراته. وحين يجتمع الرؤساء في نيروبي، لن يكون المطلوب اتفاقاً كاملاً، بل القدرة على الاختلاف من دون إنتاج وثيقة جديدة لكل نزاع، وتحالف جديد لكل وثيقة، ومقعد إضافي في اجتماع دولي آخر.

فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الوسطاء الذين يجيدون وصف الحرب، بل إلى قوة مدنية تنتج، في غياب البنادق، نوعاً آخر من القوة: قوة القرار، والتنظيم، والبرنامج، والقاعدة الاجتماعية. وإلا ستبقى «لا للحرب» أنبل شعار أخلاقي في البلاد، وأضعف مشروع لبناء دولتها.

المصدر سودان ستوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!