
فيصل أبكر شرف
يقف السودان اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة تفرض عليه مواجهة أسئلته الكبرى بشجاعة وصدق وتجرد. وفي مقدمة هذه الأسئلة تبرز قضية الهوية الوطنية بوصفها واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وتأثيراً في مسار الدولة والمجتمع. فسنوات طويلة من الصراعات والانقسامات كشفت أن الأزمة السودانية ليست سياسية أو اقتصادية فحسب، وإنما تمتد إلى عمق البنية الاجتماعية والثقافية التي تشكل وعي الناس وطريقة نظرهم إلى بعضهم البعض.
إن الاعتراف بأن العنصرية والقبلية والجهوية ما تزال حاضرة في واقعنا ليس إدانة لمجتمعنا ولا انتقاصاً من قيمته، بل هو بداية الطريق نحو العلاج الحقيقي. فالأمم لا تتقدم بإنكار أمراضها، وإنما بمواجهتها وتشخيصها بدقة والبحث الجاد عن وسائل معالجتها. والحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها هي أن كثيراً من مظاهر الإقصاء والتهميش والتمييز أصبحت جزءاً من الممارسات اليومية والخطابات الاجتماعية والسياسية، حتى باتت في أحيان كثيرة تبدو وكأنها حقائق ثابتة لا يجوز الاقتراب منها أو مساءلتها.
لقد اعتدنا، عن قصد أو دون قصد، على تصنيف الناس وفق انتماءاتهم الضيقة قبل النظر إليهم باعتبارهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. وأصبح الانتماء القبلي أو الجهوي لدى البعض معياراً للتقييم والحكم على الآخرين، الأمر الذي ساهم في إضعاف الشعور الوطني الجامع وأدى إلى اتساع الفجوة بين مكونات المجتمع المختلفة. ولم تكن نتائج هذا الواقع سوى المزيد من النزاعات والتوترات وفقدان الثقة المتبادل بين أبناء الوطن الواحد.
غير أن المعضلة لا تكمن فقط في وجود هذه الظواهر، وإنما في تحولها إلى ثقافة موروثة تنتقل بين الأجيال دون مراجعة أو نقد. ولهذا فإن أي مشروع وطني حقيقي لبناء السودان الجديد يجب أن يبدأ من إعادة النظر في المفاهيم التي تحكم علاقتنا ببعضنا البعض، ومن تفكيك الصور النمطية والأحكام المسبقة التي ترسخت في الوعي الجمعي عبر عقود طويلة.
إن التغيير المنشود لا يتحقق بالقوانين وحدها، رغم أهميتها، ولا بالشعارات السياسية مهما كانت براقتها، وإنما يبدأ أولاً من داخل الإنسان نفسه. يبدأ حين يقرر الفرد أن يتعامل مع الآخرين على أساس إنسانيتهم ومواطنتهم، لا على أساس ألوانهم أو أصولهم أو مناطقهم. ويبدأ حين تصبح الكفاءة والأخلاق والعمل هي المعايير الحقيقية للتقدير والاحترام، بدلاً من معايير الانتماء الضيق التي أرهقت البلاد وأعاقت تقدمها.
إن السودان يمتلك ثروة هائلة من التنوع الثقافي والإثني والديني والاجتماعي، وكان من الممكن أن يكون هذا التنوع مصدر قوة وإبداع ونهضة لو أُحسن التعامل معه. غير أن سوء إدارة هذا التنوع حوله في كثير من الأحيان إلى سبب للصراع والانقسام. ومن هنا فإن بناء المستقبل يتطلب تحويل هذا التعدد إلى قاعدة للوحدة الوطنية، وإلى مصدر إثراء للحياة العامة بدلاً من أن يبقى أداة للاستقطاب والتنافس السلبي.
إن الطريق نحو السودان الجديد يمر عبر ترسيخ مفهوم المواطنة المتساوية باعتباره الأساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة. دولة لا تميز بين أبنائها بسبب القبيلة أو الجهة أو اللون أو الخلفية الاجتماعية، وإنما تحتكم إلى القانون والعدالة وتكافؤ الفرص. دولة يشعر فيها كل مواطن بأنه شريك كامل في الوطن ومسؤول عن مستقبله ومصيره.
وفي نهاية المطاف، فإن الخلاص من أزمة الهوية لن يتحقق بقرار سياسي عابر أو باتفاق مؤقت، بل يحتاج إلى ثورة وعي مجتمعية شاملة تعيد تعريف العلاقة بين السودانيين على أساس الاحترام المتبادل والكرامة الإنسانية والمصلحة الوطنية المشتركة. وعندما ينجح السودانيون في التصالح مع أنفسهم ومع تنوعهم الغني، فإنهم سيكونون قد وضعوا أقدامهم فعلاً على الطريق الصحيح نحو بناء وطن جديد، وطن يتسع للجميع ويستحق مكانته بين الأمم.




