
فاطمة لقاوة
ليس غريبًا أن تلجأ سلطة مأزومة إلى القضاء حين تعجز عن الإنتصار في الميدان، لكن الغرابة كل الغرابة أن تفعل ذلك بوقاحة سياسية وهي نفسها ترفض تسليم رموز جرائم الحرب إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتُمسك بهم كورقة مساومة لا كعبء أخلاقي وقانوني.
هناك حالة إنكار تعيشها سلطة بورتسودان: لا عدالة بلا إتساق، ولا محاكمات بلا شرعية، ولا قانون يُطبَّق على الخصوم ويُعلَّق على الحلفاء.
كيف يمكن لسلطةٍ أن تتحدث عن المحاسبة، بينما ترفض حتى اللحظة تسليم عمر البشير، وعبد الرحيم محمد حسين، وأحمد هارون، وهم متهمون بجرائم موثقة أمام العالم؟أي منطق هذا الذي يجعل من العدالة عصًا تُرفع في وجه الخصوم السياسيين، بينما تتحول إلى خط أحمر حين تقترب من رموز النظام القديم الذين دمّروا البلاد وأشعلوا الحروب؟
هذه ليست دولة قانون، بل نظام إنتقائي يُعيد إنتاج الإستبداد بأدوات جديدة.
الخسائر التي تتراكم، والإنهيارات التي تتسع، لا يمكن إخفاؤها ببيانات ولا بمحاكمات مُعلَّبة.
سلطة بورتسودان، بدلاً من مواجهة سؤال الفشل:
– لماذا خسرتم؟
– من أخطأ؟
– من قاد البلاد إلى هذا الدمار؟
اختارت الطريق الأسهل: نقل المعركة من أرض الواقع إلى مسرح القضاء المسيس، علّها تصنع وهم السيطرة وتستعيد زمام المبادرة إعلاميًا بعد أن فقدته عسكريًا.
المحاكما التي تُجرى في ظل سلطة بلا تفويض شعبي، وبلا إستقلال قضائي، وبلا بيئة سياسية سليمة، ليست سوى إجراء سياسي مقنّع.
العدالة لا تُدار من غرف العمليات العسكرية، ولا تُكتب حيث تُصادر الصحافة وتُكمم الأصوات.
إن ما يجري اليوم ليس محاسبة، بل محاولة لتجريم السياسة نفسها، وتجفيف أي خطاب معارض عبر التخويف القانوني بدل المواجهة الفكرية.
الأخطر من كل ذلك، أن سلطة بورتسودان تُرسل رسالة مشوشة للعالم:نرفض فيها العدالة الدولية حين تطالنا، ونستدعي العدالة المحلية حين تخدمنا،و هذا وحده كافٍ لنسف أي إدعاء بالشرعية أو الرغبة في الإنتقال السياسي.
من لا يملك الشجاعة لمواجهة تاريخه، لن يملك القدرة على قيادة مستقبله.
ومن يهرب من إخفاقات الميدان إلى محاكمات وهمية، لا يبني دولة، بل يؤجل الإفجار القادم.
العدالة الحقيقية تبدأ من تسليم مجرمي الحرب، لا من مطاردة الخصوم السياسيين.
والعدالة تعني الاعتراف بالفشل، لا من تزوير الوقائع.
ما لم تفهم سلطة بورتسودان هذه الحقيقة، فستبقى أسيرة ماضيها، وعاجزة عن النجاة بوطنٍ ينزف.
ولنا عودة بإذن الله
الثلاثاء،٢٠يناير/٢٠٢٦م




