رأي

مصادرة البيوت في أم روابة: القانون أداة للقمع والقهر السياسي والأمني

إسماعيل هجانة

 

إسماعيل هجانة 

ما يحدث في أم روابة اليوم، بما في ذلك مصادرة مئات المنازل من أصحابها، يكشف اختلالًا عميقًا في موازين العدالة، وانهيارًا خطيرًا لفكرة الدولة ذاتها؛ الدولة التي يُفترض بها حماية مواطنيها وصون حقوقهم. ما يجري تجاوز كل حدود القانون، حيث تحوّلت مصادرة البيوت بذريعة “التعاون” إلى ممارسة قمعية مفتوحة، تُنفَّذ بالقوة والترهيب، وتطال أسرًا آمنة قبل أي تحقيق، وقبل أي مسار قضائي مفهوم.

هذا طريق قديم ومجرَّب. بدأ منذ بدايات الحروب في السودان، حين مورِس ضد الجنوبيين حتى لحظة الانفصال، ثم استمر بأشكال مختلفة في هذه الحرب. نزع الجنسية، الحرمان من الأوراق الثبوتية، فرض ما عُرف بقانون “الوجوه الغريبة”؛ أدوات دفعت البلاد ثمنها دمًا وتشريدًا، وحرمت الأطفال من أبسط حقوقهم، حيث خرج قرابة 68٪ منهم من التعليم. اليوم يُعاد إنتاج المنهج نفسه بوجه أكثر قسوة: مصادرة المنازل في أم روابة، اتهامات واسعة بلا ضوابط، إجراءات تعسفية، وتصفية حسابات سياسية وأثنية وعرقية وقبلية تحت غطاء الأمن.

القانون، كما يعرفه الناس ويثقون به، جرى تفريغه من معناه. تحوّل إلى أداة أمنية وسياسية لإخضاع المجتمع، وتجريد المواطنين من هوياتهم وملكياتهم وكرامتهم، وترسيخ الخوف مكان الثقة العامة. البيوت تُنتهك، الأسر تُهان، والنساء يتعرضن للاعتداء، في مشهد يفضح طبيعة السلطة التي تقود هذا النهج وتتحرك بمنطق الانتقام بدل سيادة الحق.

ويأتي تجريف وتكسير البيوت بحجة “السكن العشوائي” امتدادًا مباشرًا للعقلية الإقصائية العنصرية ذاتها. المؤلم أن ضحايا أكذوبة “السكن العشوائي” في الغالب من غرب السودان، ومن إثنيات زُجّ بأبنائها في معارك قُدّمت لهم بوصفها “معركة الكرامة”، بينما استُخدموا عمليًا كوقود حرب، وتُركت مجتمعاتهم فريسة للهدم والتشريد والإذلال.

استمرار هذا المسار، بما فيه مصادرة بيوت أم روابة وتجريف الأحياء، يوسّع الجرح الوطني، ويفكك ما تبقى من السلم الاجتماعي، ويؤسس لدولة الغلبة. العدالة الحقيقية تقوم على قضاء مستقل، إجراءات واضحة، حقوق مصونة، ومحاسبة عادلة للجميع. أي مسار آخر يقود البلاد إلى خراب أعمق، ويدخلها في حلقة جديدة من العنف المنظم.

إن مشروع إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس الحرية والعدالة والمساواة بات ضرورة ملحّة اليوم. استمرار السيطرة على الدولة ومواردها وقراراتها من قِبل نخب محددة من شمال السودان، تحت لافتات متبدلة، يكرّس استعمارًا داخليًا يتناقض مع مصالح الشعوب السودانية ويقود البلاد نحو مزيد من التفكك.

اسماعيل هجانة

الحكاية الأعمق من الحرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!