رأي

موسى هلال: حين تتحوّل المشيخة إلى غطاء للدم

ابو عبدالله الراشدي

 

ابو عبدالله الراشدي 

أسوأ أنواع الخيانة أن تعرف الحقيقة، ثم تقف في صف من يذبحها.

لم يعد الصمت في زمن المذابح موقفًا رماديًا يمكن الاحتماء به، بل تحوّل إلى فعل سياسي كامل الدلالة، لا يقل خطورة عن الضغط على الزناد. حين يعرف المرء من يقتل، ومن يقصف، ومن يحرق القرى، ثم يختار الاصطفاف مع الجناة، فإن ما يفعله لا يُسمّى حيادًا، بل شراكة أخلاقية مكتملة الأركان في الجريمة. من هذا الموقع، يقف موسى هلال اليوم، لا كشيخ قبيلة ولا كزعيم اجتماعي، بل كشاهد زور على دم دارفور وكردفان.. وكل الهامش

من الصمت إلى التواطؤ: كيف يصبح السكوت شراكة في الجريمة

ما صدر عن موسى هلال في الآونة الأخيرة لا يمكن إدراجه تحت خانة “الموقف السياسي”. فالموقف السياسي، مهما بلغ من الانحياز، يفترض حدًا أدنى من الانتصار للمدنيين، ومن الإقرار بحرمة الدم. أما ما قاله الرجل، فهو إعلان انحياز فجّ إلى سلطة تقتل مواطنيها بدم بارد، ثم تبحث عمّن يبرر لها القتل بلغة القبيلة والدين.

كان المنتظر  لو بقي في الرجل شيء من ضمير أن يطالب بوقف القصف، وأن يرفض استهداف القرى والدوامر والفرقان، وأن يعلن موقفًا واضحًا ضد قتل الأبرياء. لكنه اختار العكس تمامًا: أن يكون بوقًا لخطاب يشرعن العنف، ويمنح الغطاء الأخلاقي لجرائم مكشوفة. هذا الخطاب لم يعد يخدع أحدًا، فالمجتمعات التي دفعت ثمن الوعي دمًا لا يمكن أن تعود قطيعًا يُساق بالخوف.

مقاول الحرب لا زعيم المجتمع: تفكيك وهم القيادة القبلية

الرهان على موسى هلال بوصفه “زعيمًا” قادرًا على لعب دور جامع، لم يكن سوى وهم قديم أعيد تسويقه في زمن لم يعد يقبل هذه البضائع الفاسدة. فالرجل ليس طارئًا على العنف، بل أحد صُنّاعه. لم يتشكل حضوره من داخل مشروع اجتماعي أو رؤية سياسية، بل من داخل معادلة تقوم على تبادل العنف مقابل النفوذ.

منذ سنوات طويلة، ارتبط اسمه بمنظومات مسلحة أدخلت الحرق والسحل والتهجير إلى حياة القرى الآمنة، وحوّلت دارفور إلى مساحة مفتوحة لتجريب أقسى أشكال القمع. لم يكن قائدًا مجتمعيًا بقدر ما كان “مقاول حرب”، يتنقل بين الولاءات وفق حسابات الربح والخسارة، لا وفق معيار الحق والباطل.

دارفور كحقل تجارب: تاريخ صناعة العنف المنظّم

لم يكن استدعاء موسى هلال إلى المشهد صدفة تاريخية، بل جزءًا من سياسة ممنهجة استخدمت الهامش وقوده البشري لإدارة صراعات السلطة. في لحظات كثيرة، جرى توظيف التناقضات القبلية، وتسليح الهويات، وتحويل النسيج الاجتماعي إلى ساحة اقتتال، بينما ظل المخططون في مأمن من النار.

في إحدى أكثر المحطات خطورة، كادت دارفور أن تنزلق إلى حرب أهلية داخلية بفعل مؤامرات محسوبة لإشعال الاقتتال من الداخل. وكان موسى هلال حينها جزءًا من هذا المشهد، وقودًا محتملاً لفتنة لو اندلعت، لما أبقت ولا ذرت. أن تنجو دارفور آنذاك لم يكن بفضل حكمته، بل نتيجة تعقل أطراف أخرى أدركت حجم الكارثة.

انفضاض القاعدة وسقوط الرمز: حين تخسر الزعامة سندها الاجتماعي

ما لم يدركه موسى هلال، أن الزمن تغيّر. الزعامة التي تُبنى على الخوف والحقد لا تصمد طويلًا. لقد انفضّ من حوله كثيرون، وتآكل رصيده الاجتماعي الذي ظل يستثمر فيه لسنوات. فالمجتمعات التي عاشت القتل والتشريد لم تعد ترى في الخطابات الخشنة بطولة، ولا في التحريض قيادة.

اليوم، لم يعد الرجل قادرًا على جمع القبائل العربية، ولا على تمثيل دارفور، ولا على لعب أي دور يتجاوز حدود ذاته. حتى داخل بيئته الاجتماعية، لم يعد يُنظر إليه كمرجعية أخلاقية، بل كشخص أسير ماضيه، يحاول استعادته عبر بوابة الخراب.

التاريخ لا ينسى: شهادة الزور في ميزان الذاكرة الجماعية

يعرف موسى هلال، أكثر من غيره، من يقتل المدنيين، ومن يقصف القرى، ومن يستخدم الطيران ضد الأبرياء. يعرف كيف تُدار ماكينة الكراهية، وكيف يُستغل الدين والقبيلة لتبرير الجريمة. ومع ذلك، اختار عن سبق إصرار أن يكذب، وأن يلوّي عنق الحقيقة، ظنًا منه أن الهامش ما زال يُقاد بالعصا والخوف.

لكن السودان تغيّر. الوعي الذي سال مع دماء الضحايا لن يعود إلى الوراء. لم تعد المشيخة، ولا التاريخ الشخصي، ولا القرابة، تشفع لأحد. من يعرف القاتل ويبرره شريك في الجريمة، ومن يرى دم أهله ثم يصطف مع جلاديهم، يسقط أخلاقيًا إلى الأبد.

بهذا الخطاب، خرج موسى هلال نهائيًا من أي ادعاء بالزعامة المجتمعية، واختار أن يُسجَّل في الذاكرة لا كشيخ سعى لحماية أهله، بل كشاهد زور على إبادة وقعت أمام عينيه.

والتاريخ، حين يُكتب، لا يرحم المتواطئين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!