رأي

🔴 البنوك بين التنمية والوهم: شروط التأسيس وحدود الطموح في ظل الدولة الغائبة

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

في لحظات التحولات الكبرى التي تمر بها الدول، لا تبرز النقاشات الاقتصادية بوصفها ترفًا فكريًا أو جدلًا نخبويًا، بل باعتبارها معركة حقيقية حول مستقبل المجتمع، وطبيعة الدولة التي يُراد بناؤها. ويأتي الجدل الدائر حول ما سُمّي بـ«بنك المستقبل السوداني» في هذا السياق بالغ الحساسية، لأنه يتصل مباشرة بأحد أكثر القطاعات خطورة وتأثيرًا في حياة الناس: القطاع المصرفي. فالمصارف ليست مجرد مؤسسات خدمية، بل هي قلب الاقتصاد، وميزان الثقة، وأداة تحويل الموارد إلى تنمية، أو إلى خراب، تبعًا للأسس التي تُقام عليها.

إن النقد الجاد لهذه الفكرة لا ينطلق من رفضٍ مبدئي لفكرة البنوك، ولا من عداء للتنمية أو المبادرات الاقتصادية، بل من إدراك عميق أن العمل المصرفي تحديدًا لا يحتمل التجريب، ولا يقبل القفز فوق القواعد، ولا يمكن فصله عن وجود دولة ذات سيادة قانونية ومؤسسية. ومن هنا، فإن مساءلة فكرة «بنك المستقبل» ليست ترفًا ولا تشددًا، بل واجب أخلاقي واقتصادي في لحظة شديدة الهشاشة.

🔴 أهمية المصارف في البناء الاقتصادي والتنمية الشاملة

تُعد المصارف من أهم الأدوات التي استخدمتها البشرية في الانتقال من الاقتصادات التقليدية المحدودة إلى الاقتصادات الحديثة المركبة. فوجود نظام مصرفي فعّال يتيح تجميع المدخرات الفردية وتحويلها إلى رؤوس أموال قادرة على تمويل الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات. كما تلعب البنوك دورًا حاسمًا في إدارة السيولة، وتوجيه الاستثمار، وتقليل المخاطر، وضمان دوران المال داخل الاقتصاد بدل خروجه إلى الاكتناز أو المضاربات غير المنتجة.

وفي الدول الخارجة من النزاعات، تتضاعف أهمية المصارف، لأنها تشكل إحدى الأدوات الرئيسية لإعادة الإعمار، وتمويل الأنشطة الصغيرة والمتوسطة، وإعادة دمج الاقتصاد المحلي في الدورة الرسمية، وخلق فرص العمل، وتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاجتماعي. لذلك، فإن الحديث عن إنشاء مصارف في السودان، أو في مناطق الهامش، هو حديث مشروع من حيث المبدأ، وضروري من حيث الحاجة، لكنه شديد الخطورة من حيث التنفيذ إن لم يُبنَ على أسس صحيحة.

🔴 المصرف كنتاج للدولة لا بديلًا عنها

من الأخطاء المفاهيمية الشائعة في سياقات الانهيار المؤسسي الاعتقاد بأن المصرف يمكن أن يحل محل الدولة، أو أن يسبقها في التكوين. في الواقع، المصرف هو أحد نتاجات الدولة الحديثة، وليس أداة لإنشائها. فلا يوجد في التاريخ الاقتصادي المعاصر بنك وطني حقيقي نشأ في غياب سيادة قانونية، أو خارج منظومة نقدية معترف بها.

فالمصرف يفترض وجود دولة تحدد العملة، وتضبط السياسة النقدية، وتسن القوانين، وتوفر آليات التقاضي، وتفرض الرقابة، وتحمي حقوق المودعين. وعندما يُنشأ كيان مصرفي في غياب هذه الشروط، فإنه يفقد صفته المصرفية بالمعنى العلمي، ويتحول إلى كيان مالي هجين، أقرب إلى الصرافات أو شركات تجميع الأموال عالية المخاطر، مهما حسنت النوايا أو تعددت الشعارات.

🔴 القوانين الموضوعية التي يقوم عليها العمل المصرفي

العمل المصرفي في جوهره نشاط عالي المخاطر، ولذلك أخضعته الدول عبر التاريخ لقوانين صارمة. فالبنوك لا تُنشأ بقرارات سياسية أو مجتمعية، بل عبر إجراءات ترخيص معقدة تشرف عليها البنوك المركزية. وتتضمن هذه الإجراءات التحقق من الملاءة المالية للمؤسسين، ومشروعية مصادر رأس المال، وكفاءة الإدارة، ووضوح هيكل الملكية، وتوفر أنظمة الحوكمة والرقابة الداخلية، والالتزام بقوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

هذه القوانين ليست شكلية ولا مستوردة من الخارج بلا سبب، بل جاءت نتيجة أزمات مصرفية عالمية أثبتت أن أي تهاون في هذا القطاع يفضي إلى خسائر اجتماعية واقتصادية واسعة. ومن هنا، فإن تجاوز هذه القواعد لا يعني فقط مخالفة إجرائية، بل يعني تعريض المجتمع كله لمخاطر جسيمة.

🔴 المخاطر الكامنة في إنشاء مصرف بلا إطار قانوني

حين يُنشأ كيان مالي خارج الإطار القانوني المصرفي، فإن أول المتضررين هم المواطنون العاديون، لا المؤسسون ولا النخب. فغياب الترخيص يعني غياب الرقابة، وغياب الرقابة يعني انعدام الضمانات، وانعدام الضمانات يعني أن أي خسارة أو نزاع أو اختلاس أو إفلاس لن يجد مسارًا قانونيًا واضحًا للمساءلة أو التعويض.

وتاريخ السودان القريب حافل بتجارب مؤلمة لصرافات وشركات مالية بدأت بوعود براقة، وانتهت بضياع مدخرات الناس، وتآكل الثقة في أي نشاط اقتصادي منظم. لذلك، فإن أخطر ما يمكن فعله اليوم هو إعادة إنتاج هذه التجارب تحت مسميات جديدة، وفي ظروف أشد هشاشة.

🔴 «بنك المستقبل» وتحالف تأسيس

إذا كان ما يُتداول صحيحًا بشأن ارتباط ما يسمى بـ«بنك المستقبل» بتحالف تأسيس، فإن ذلك يمثل خطلًا استراتيجيًا كبيرًا. فإقحام كيان سياسي أو تحالف ناشئ في مشروع مصرفي لم يستوفِ شروطه القانونية يحمّله مسؤولية أخلاقية وتاريخية لا قبل له بها.

المشكلة هنا لا تتعلق بالمواقف السياسية، بل بحقيقة أن البنك لم يقم على أي أساس مصرفي معترف به، لا من حيث الترخيص، ولا من حيث الإشراف، ولا من حيث الضمانات. وهذا يعني أن أي فشل محتمل لن يُحسب على كيان مالي معزول، بل سينعكس مباشرة على التحالف، ويقوض مصداقيته، ويضعه في مواجهة المجتمع.

🔴 الموارد والثروات بين الإمكانات وسوء الإدارة

لا خلاف على أن مناطق سيطرة تأسيس زاخرة بالموارد الطبيعية والبشرية، من محاصيل نقدية ذات قيمة عالمية، إلى ثروة حيوانية ضخمة، ومعادن، وبترول، إضافة إلى طاقات بشرية شابة. غير أن التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن الموارد وحدها لا تصنع التنمية، بل قد تتحول إلى نقمة إذا أُسيء إدارتها.

فالاستفادة الحقيقية من هذه الموارد تتطلب أولًا إنشاء مؤسسات استثمارية منظمة، وشركات إنتاج وتسويق، وبنى لوجستية، وأطر تعاقدية واضحة. المصرف يأتي لاحقًا كأداة داعمة لهذا النشاط، لا كنقطة بداية مرتجلة تُلقى على عاتقها كل الآمال.

🔴 البنوك الرقمية: الفرص والقيود

في ظل التطور التكنولوجي، برزت البنوك الرقمية كأداة واعدة لتعزيز الشمول المالي، خاصة في البيئات التي تعاني من ضعف البنية التحتية. غير أن نجاح هذا النموذج مشروط أيضًا بوجود إطار قانوني، ونظام نقدي، وبنك مركزي، وبنية تقنية آمنة، وآليات صارمة لحماية البيانات والأموال.

أما إطلاق كيان يُسمى «بنكًا رقميًا» في غياب هذه الشروط، فهو لا يمثل قفزة مستقبلية، بل تحايلًا لغويًا على غياب الأساس القانوني، وقد يفتح الباب لمخاطر أكبر من المصارف التقليدية نفسها.

🔴 بين الحاجة المشروعة والانزلاق الخطِر

إن الحاجة إلى مصارف حقيقية في السودان، وفي مناطق سيطرة تأسيس تحديدًا، حاجة لا تقبل الجدل. لكن الفرق شاسع بين مصرف يُبنى على القانون والمؤسسات، ومشروع مالي يُبنى على النيات والشعارات. الدولة لا تُختصر في بنك، والتنمية لا تبدأ بمغامرة مصرفية، والثقة لا تُطلب من الناس دون ضمانات.

إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس شح الأفكار، بل الاستعجال، وتطبيع الاستثناء، وتعليق القواعد الأساسية بحجة الضرورة. والتاريخ، دون استثناء، يقول إن من يدفع ثمن هذا النهج هم البسطاء وحدهم.

لهذا، فإن الطريق الصحيح يبدأ بالاعتراف بالواقع، وبناء المؤسسات الاستثمارية والتنظيمية أولًا، ثم إنشاء المواعين المصرفية وفق الأصول، لا العكس. فالمستقبل لا يُبنى بالقفز فوق الأسس، بل بالوقوف الصلب عليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!