
نجم الدين دريسة
يقف السودان اليوم أمام لحظة فاصلة في تاريخه الحديث، لحظة تتكثف فيها أزمات الماضي مع تعقيدات الحاضر، وتتشابك فيها مسارات الحرب مع أسئلة الدولة والهوية والمستقبل. فما يشهده السودان ليس مجرد صراع مسلح على السلطة، بل تعبير عميق عن فشل تاريخي في بناء دولة وطنية جامعة منذ الاستقلال، وفشل متراكم للنخب السياسية والعسكرية في صياغة مشروع وطني عادل ومستدام.
إرث ما بعد الاستعمار وأزمة الهوية الوطنية
فشلت دول كثيرة في مرحلة ما بعد الاستعمار في بناء هوية وطنية جامعة بسبب الانقسامات الإثنية والثقافية والاجتماعية، وغياب مشروع وطني مشترك. والسودان يمثل نموذجًا صارخًا لهذه الإشكالية. فمنذ الاستقلال، لم تتمكن الدولة من إنتاج هوية جامعة توحد مكوناتها المتعددة حول عقد اجتماعي عادل، بل استمرت سياسات الإقصاء والتهميش والمركزية المفرطة، ما خلق فراغًا سياسيًا استغلته قوى متعددة لتفتيت السلطة وتحويل الخلافات إلى صراعات دموية متكررة.
هذا الفشل البنيوي جعل الدولة أداة للهيمنة بدل أن تكون إطارًا جامعًا، ورسّخ شعور قطاعات واسعة بعدم الانتماء، فتعززت الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية، وتآكل مفهوم الدولة نفسها.
الجيش المختطف والمشهد السياسي المأزوم
من أبرز تجليات الأزمة السودانية الدور السياسي والاقتصادي للمؤسسة العسكرية. فقد ظل الجيش، بفعل الاختراق الأيديولوجي والتسييس المتراكم، يعمل خارج منطق الدولة المدنية، ويتحول تدريجيًا إلى فاعل سياسي واقتصادي، لا مجرد مؤسسة وطنية لحماية البلاد. هذا “الجيش المختطف والمؤدلج” شكّل عائقًا حقيقيًا أمام أي مشروع قومي للبناء، وأسهم في تعطيل الانتقال المدني، واستنزاف الموارد، وتعميق عدم الاستقرار.
في ظل هذا المشهد، تداخلت المصالح الشخصية والحزبية مع المصلحة العامة، وغاب التوزيع العادل للسلطة والثروة، وازدادت المركزية الخانقة، ما عمّق التهميش السياسي والاقتصادي لمناطق واسعة، وأسهم في تمزيق النسيج الاجتماعي وإدامة الصراع.
تيارات متباينة: بين المثالية والواقعية السياسية
في مواجهة هذا الواقع المعقد، برزت تيارات ورؤى متباينة. فهناك أطروحات مثالية تدعو إلى بناء دولة عادلة وديمقراطية دفعة واحدة، لكنها تتجاهل عمق الانقسام وتعقيدات الواقع، ما يجعلها أقرب إلى الشعارات منها إلى البرامج القابلة للتطبيق.
في المقابل، ظهرت مقاربات أكثر واقعية، تمثلها تحالفات مثل صمود، التي تطرح رؤية تقوم على التوافق التدريجي، وإيجاد أرضية مشتركة بين المكونات المختلفة، واتباع خطوات عملية لإعادة تأسيس الدولة. وتتقاطع هذه الرؤية إلى حد كبير مع خارطة طريق المبادرة الرباعية، التي قوبلت بموافقة تحالف السودان التأسيسي بلا شروط، لكنها تصطدم بعقبات كبرى، أبرزها مقاومة النخبة التقليدية، ودور الجيش، وتشابك المصالح الإقليمية.
النخبة السياسية والدولة العميقة: إعادة إنتاج الأزمة
إحدى أعقد الإشكالات تكمن في النخبة السياسية وحلفائها من قوى الردة، التي ترفض الانتقال إلى مربع جديد يعالج الاختلالات التاريخية، خصوصًا أزمة الهوية وتعريف الدولة. وفي خلفية المشهد، ينشط ما يمكن تسميته بـ«تحالف الدولة العميقة»، الذي يضم الجيش، وفلول النظام السابق، والمليشيات الإسلاموية، وكيانات من الكتلة الديمقراطية، وبعض حركات سلام جوبا.
يمتاز هذا التحالف بقدرة عالية على تغيير الخطاب والأقنعة: مدني رومانسي حينًا، وسلفي متشدد حينًا آخر، مع توظيف مكثف للإعلام الديني والسياسي لتفخيخ المبادرات الوطنية وتشويه أي جهد حقيقي للتغيير. وبهذا، يُعاد إنتاج آليات القهر ذاتها التي فجّرت الثورات السودانية المتعاقبة، ولكن بأدوات أكثر مرونة وخطاب أكثر مراوغة.
ومع ذلك، من الضروري التمييز وعدم التعميم، فليست كل التيارات الإسلامية جزءًا من هذا المشروع. إذ توجد قوى إسلامية أعلنت رفضها للحرب والانقلاب، وأبدت استعدادها للانخراط في مسار مدني ديمقراطي، ويمكن أن تشارك في أي مشروع وطني جاد إذا التزمت بقيم الثورة، وتفكيك التمكين، والمحاسبة، وعدم الإفلات من العقاب.
الدور الإقليمي والمبادرة الرباعية
إقليميًا، تبرز المبادرة الرباعية بوصفها المسار الأكثر واقعية لإحداث اختراق في الأزمة السودانية، رغم التناقضات المحيطة بها. ويظل الموقف المصري محل تساؤل، إذ يدعم المبادرة رسميًا، لكنه يوظفها أحيانًا بما يخدم مصالحه المرتبطة بالحفاظ على بنية الدولة القديمة، وخاصة المؤسسة العسكرية. ورغم ذلك، تبقى المبادرة إطارًا عمليًا قابلاً للبناء عليه إذا توفرت الإرادة السياسية والالتزام الجاد بالتنفيذ.
سيناريوهات المستقبل: خيارات السودان الصعبة
في ظل استمرار الحرب، تتبلور ثلاثة سيناريوهات رئيسة لمستقبل السودان:
أولًا: تفكك الدولة
وهو السيناريو الأخطر، حيث تستمر الحرب، وتفشل التسويات، وتتعدد مراكز القوى، وتظهر كيانات جهوية وقبلية تدير مناطقها بمعزل عن المركز، ما يحول السودان إلى دولة فاشلة شبيهة بتجربة الصومال، مع تصاعد التدخلات الخارجية وتآكل النسيج الاجتماعي.
ثانيًا: إعادة تأسيس الدولة على أساس فيدرالي
ويفترض هذا السيناريو تسوية سياسية شاملة تعيد بناء الدولة على أساس لا مركزي واسع، يمنح الأقاليم صلاحيات حقيقية، مع احتفاظ المركز بالمهام السيادية. ورغم صعوبة هذا المسار، فإنه يظل الخيار الأكثر واقعية واستدامة إذا توفرت الإرادة السياسية ودستور توافقي ودعم إقليمي مسؤول.
ثالثًا: إعادة تدوير الأزمة
عبر تحالف الجيش والإسلاميين وبعض القوى السياسية، وهو مسار يعيد إنتاج الاستبداد والحرب بأسماء جديدة، ويطيل أمد الانهيار دون حل جذري.
الخلاصة: طريق صعب لكنه الممكن
السودان في لحظة حقيقة تاريخية: إما شجاعة سياسية تؤدي إلى التوافق، والتنازل المتبادل، وبناء دولة مدنية عادلة تضع الجيش تحت رقابة مدنية، وتحقق تنمية متوازنة وعدالة شاملة، أو استمرار في دوامة التشظي والانقسام والانهيار.
ورغم تعقيد المشهد، فإن الطريق الواقعي الذي تمثله الرؤى التوافقية مثل صمود والمبادرة الرباعية يظل الأمل الوحيد لتجنب السيناريوهات الكارثية، وبناء دولة سودانية قادرة على حماية مواطنيها واستيعاب تنوعهم، وفتح أفق جديد بعد عقود من الفشل والصراع.




