
الهادي ابوزايدة
من أخطر الدروس التي كشفتها سنوات الانهيار في السودان أن تسييس مؤسسات الدولة وتحويلها إلى غنائم حزبية أو قبلية كان عاملاً حاسماً في إضعاف بنيتها. فعندما تصبح الوظيفة العامة مكافأة للولاء لا استحقاقاً للكفاءة، تتآكل الخدمة المدنية تدريجياً، وتفقد الدولة قدرتها على الأداء المحايد والعادل.
لقد أضعفت المحاصصة القبلية والجهوية مؤسسات كان يفترض أن تكون عنواناً للقومية والمهنية. ومع مرور الوقت، تحوّلت بعض المواقع الحساسة إلى ساحات نفوذ مغلقة، تُعاد فيها إنتاج الشبكات ذاتها، بينما يُقصى أصحاب المؤهلات والخبرات من خارج دوائر النفوذ التقليدية. والنتيجة كانت جهازاً إدارياً مرتبكاً، عاجزاً عن التخطيط طويل المدى أو الاستجابة الفعالة للأزمات.
مرحلة ما بعد الحرب تفرض مقاربة مختلفة جذرياً. أولاً، لا بد من إنشاء مفوضية مهنية دائمة ومستقلة للخدمة المدنية، تكون مسؤولة عن التعيين والترقي وفق معايير واضحة وشفافة، بعيداً عن تدخلات القوى السياسية. هذه المفوضية يجب أن تخضع لرقابة قانونية صارمة، وأن تُدار بعقول خبيرة في الإدارة والحوكمة.
ثانياً، ينبغي اعتماد نظام توظيف وترقٍ قائم على المؤهل العلمي والخبرة العملية والكفاءة المثبتة، مع ضمان تكافؤ الفرص بين أبناء وبنات جميع الولايات السودانية. تحقيق المساواة في الوصول إلى الوظائف ذات العائد المادي المجزي ليس منّة، بل حق دستوري يرسخ مفهوم المواطنة المتساوية. فلا يستقيم أن تهيمن ولاية أو ولايتان على مفاصل أساسية في الدولة، بينما تُترك بقية الولايات على هامش الفرص.
ثالثاً، يتعين إعادة النظر في تركيبة المؤسسات الحساسة مثل بنك السودان، ووزارة الخارجية والحقل الدبلوماسي، والجمارك، والقنصليات، والموانئ البحرية، والأمانة العامة لمجلس الوزراء وغيرها من المواقع الاستراتيجية. الهدف ليس استبدال هيمنة بأخرى، بل بناء توازن قومي حقيقي يعكس تنوع السودان، ويعزز الثقة بين الدولة ومواطنيها.
كما أن تحييد المؤسسات السيادية والخدمية عن الصراع السياسي يمثل شرطاً أساسياً للاستقرار. فالمؤسسة التي تتغير إدارتها مع كل تبدل سياسي تفقد استمراريتها وذاكرتها المؤسسية، وتتحول إلى أداة في معركة لا علاقة لها بخدمة المواطن.
الخلاصة واضحة: الدولة التي لا تُدار بالكفاءة تُدار بالولاء، والدولة التي تُدار بالولاء تنهار عند أول اختبار. إعادة بناء السودان تبدأ من إعادة الاعتبار لفكرة الخدمة العامة بوصفها مسؤولية وطنية، لا غنيمة سياسية. وعندها فقط يمكن أن نؤسس لجهاز إداري قوي، عادل، وقادر على حمل مشروع الدولة بعد الحرب بثقة وثبات.
كلام_شاي
الهادي أبوزايدة




