
إيمان التجاني
على مدى عقود، ظل السودان يشهد صراعًا داخليًا مستمرًا لم تخلُ منه أي فترة من التدخل العسكري. لكن ما يثير الدهشة هو أن الجيش، المؤسسة التي يفترض أن تحمي البلاد، لم يقم يومًا بحرب دفاعية حقيقية ضد أي عدو خارجي، بينما وجه قوته بشكل كامل ضد مواطنيه. هذا التاريخ الطويل من العنف الداخلي صنع دولة هشّة، وأدى إلى تفكيك البنية الاجتماعية والسياسية، تاركًا ملايين المواطنين ضحايا لتفشي البطش والفشل المؤسسي.
الجيش السوداني لم يكن يومًا مجرد قوة دفاعية؛ إنه آلة قمعية مهيمنة، تفرخ ضباطًا معتادين على ممارسة السلطة بالعنف، أكثر من تدريبهم على حماية الوطن. الثقافة العسكرية التي رسخت على مدى سبعة عقود تقول: المواطن في المرتبة الثانية، والسلطة أغلى من أي قيمة وطنية، والانقلاب العسكري هو الحل الأخير دائمًا. هذه الذهنية المركزية أنتجت سلسلة لا تنتهي من الحروب الأهلية، ومجزرة تلو الأخرى، وسلبت الشعب حقه في العيش بسلام.
وفي الوقت الذي دمرت فيه الخوذات العسكرية حياة المدنيين، عجزت الدولة عن تقديم أي مشروع تنموي حقيقي. التعليم تراجع، الصحة انهارت، البنية التحتية تحطمت، والفقراء دفعوا ثمن سياسات سلطوية مركزة على احتكار السلطة والموارد. المواطن أصبح شاهدًا على مأساة مستمرة، وحين تتوقف المواجهات، لا يكون إلا لوهلة قصيرة، قبل أن يعود الجيش إلى ممارسة العنف كحل لكل خلاف سياسي أو اجتماعي.
أما اليوم، فيواجه السودان مرحلة جديدة من الانقسام، حيث يتم تصوير الناس في خريطة صفراء وسوداء: مؤيدون للجيش أو مؤيدون للفصائل الأخرى التي أنشأها الجيش نفسه كذراع موازية. لكن الحقيقة البسيطة تكمن في أن كل الفصائل، مهما اختلفت، هي امتداد لنفس المؤسسة العسكرية التي كرّست العنف ضد الشعب منذ البداية. كل الانقسامات الحالية لا تخفي أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الجيش نفسه، وأن الحرب بين هذه الفصائل ما هي إلا استمرار لنفس دورة الدمار الداخلية.
لقد أثبتت التجارب أن العنف لا يولد سوى مزيد من التدمير، وأن كل عملية إنقاذ مستقبل البلاد تبدأ بالاعتراف بأن الجيش كان سببًا رئيسيًا في الكوارث. المجازر، الاغتصابات، التهجير القسري، جميعها أدوات استخدمت لتقوية السلطة، لا لحماية الوطن. ومن هنا، يتضح أن أي مشروع إصلاحي حقيقي لا يمكن أن يقوم إلا بمراجعة دور المؤسسة العسكرية، وتحويل ولائها من السلطة إلى الشعب، وإعادة بناء ثقافة الجيش على أساس خدمة المواطن وحماية الحقوق، وليس الهيمنة.
إذا أراد السودان أن ينهض فعلاً، عليه أن يواجه هذه الحقيقة الصعبة: أن الجيش، كما هو اليوم، ليس حاميًا للوطن، بل أحد أبرز أسباب الخراب المستمر. أي مستقبل مستقر لن يتحقق إلا بإصلاح المؤسسة العسكرية، ووقف هذه الحلقة المفرغة من الصراع الداخلي، وإعادة الثقة إلى شعب طالما عاش في ظل البطش والخوف. فالمسألة ليست مجرد نزاع عابر، بل معركة طويلة بين إرادة الشعب وإرادة الجيش في صياغة مستقبل البلاد.
السودان بحاجة إلى قوة وطنية حقيقية، مؤسساتية، تحمي المواطنين وتعيدهم إلى مركز الدولة، بعيدًا عن خوذات الجيش التي طالما قتلت الأحلام والآمال. وإلا، ستظل البلاد أسيرة دورة العنف نفسها، تنتقل من جيل إلى جيل، في انتظار فجر ربما لا يأتي إلا بالإرادة الحقيقية والعمل الجاد.




