رأي

البرهان.. لاعب الأقنعة ومقامر المرحلة الانتقالية  

سمية النور دهب

 

    سمية النور دهب

لم يعرف السودان في تاريخه القريب قائدًا بهذا القدر من التناقض والاضطراب مثل عبد الفتاح البرهان، الذي ما زال يتقن فنّ ارتداء الأقنعة كما يبدّل أثوابه. فهو ليس قائدًا انتقاليًا كما يُروَّج، بل لاعب سياسي يهوى البقاء على الحافة، ويظن أن بإمكانه الإمساك بكل الخيوط في وقتٍ تتقطع فيه الأوطان.

منذ أن أشعل الحرب، والبلاد تغرق في دوامةٍ من الدم والدمار، ظل البرهان يحاول الجمع بين نقيضين: العالم الخارجي الذي يبحث عن مخرجٍ من الأزمة عبر تسويةٍ سياسية، وقوى الإسلاميين التي لفظها الشعب بثورته وأسقطها من عرشها عام 2019. يحاول إرضاء الطرفين في وقتٍ لا يجتمع فيه الماء والنار، وكأنه لم يسأل نفسه السؤال البسيط: كيف يمكن أن تكون على وفاق مع خصمين لا يلتقيان؟

في هذا الرهان الخطير، يضع البرهان يده في يد الإسلاميين ظنًا أن فيهم الخلاص، متجاهلًا درس التاريخ القريب: “لو كان الإسلاميون سندًا لما خذلوا عمر البشير في ذروة سلطته.” كيف يمكن أن يكونوا اليوم عونًا له وهو يقود حربًا تمزّق البلاد وتنهك ما تبقّى من مؤسساتها؟ إنهم ليسوا سندًا، بل وقودًا لأي نارٍ تشتعل، وأول من تحرقه هي اليد التي أوقدتها.

في المقابل، لا يخفي المجتمع الدولي مطالبه: وقف الحرب، بناء دولة مدنية، وإبعاد رموز النظام البائد من المشهد السياسي. ومع ذلك، يواصل البرهان اللعب على الحبلين، يوقّع التفاهمات مع الخارج، ويمنح الإسلاميين مساحةً في الداخل، كمن يريد أن يربح كل شيء ولا يخسر أحدًا. لكنه لا يدرك أن السياسة لا تحتمل الخداع طويل الأمد، وأن ارتداء وجهين لا يدوم، فكل محاولةٍ للتقرب من الإسلاميين تُفقده الثقة الدولية، وكل انفتاحٍ على الخارج يُشعرهم بالخيانة.

تتآكل مصداقيته يومًا بعد يوم، ويضيق عليه فضاء المناورة. فالرجل بات عالقًا في كماشةٍ قاتلة: إن أرضى الإسلاميين خسر المجتمع الدولي، وإن استجاب لشروط الخارج خسر حلفاءه في الداخل. لكنه يرفض الحسم، فيواصل السير على حبلٍ رفيعٍ فوق هاويةٍ تتسع.

ومع مرور الوقت، تشتد الخيوط حول عنقه، وتقترب النار التي أشعلها من أطراف عباءته. فاستمراره في هذا المسار لن يكلّفه منصبه فحسب، بل سيحرق ما تبقّى من فرصة لإنقاذ السودان. وسيسجله التاريخ لا كقائدٍ أنقذ وطنًا، بل كمن سرق ثورة، وخذل الحالمين بها، وأعاد إنتاج العصبة التي أسقطها الشعب بدمائه.

إن البرهان، إن ظلّ يظن أن تعدد الأقنعة يمنحه النجاة، فسينتهي كما انتهى كل من سبقه من الطغاة: وحيدًا في هوامش التاريخ، محترقًا بالنار التي أشعلها بيديه، بعد أن خدع الجميع فخدعه الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!