
عبد الرحمن أبو رندة ..بنسلفانيا
ليس عبد العزيز بركة ساكن كاتبًا سيئًا بالكامل، كما أنه ليس روائيًا عظيمًا كما يحلو لمريديه تقديمه. هو، في تقديرٍ أدق، نموذج للكاتب الذي أتقن اللعب على تخوم السياسة والهوية والجرح المفتوح، لا ليُنتج أدبًا عميقًا، بل ليؤمّن لنفسه موقعًا ثابتًا داخل سوق ثقافي غربي لا يسأل كثيرًا عن جماليات النص، بقدر ما يكافئ التطابق الأيديولوجي مع سردياته الجاهزة عن الشرق والعرب والإسلام.
مأزق بركة ساكن ليس في جرأته، فـ«الجرأة» وحدها لا تصنع أدبًا، بل في أن مشروعه السردي، منذ وقت مبكر، انزلق من مساءلة الواقع إلى استثمار الخراب. السودان، دارفور، الحرب، العنف، الهويات الجريحة… كلها تحوّلت في نصوصه إلى خلفية ديكورية تُستدعى كلما احتاج النص إلى صدمة، لا إلى معنى. القارئ الذي يبحث عن السودان الحقيقي، بتناقضاته وتعقيداته وتاريخه الاجتماعي، لا يجد سوى صور نمطية مُعاد تدويرها، مكتوبة بلغة سياسية مهترئة، أقرب إلى بيانات منظمات حقوق الإنسان منها إلى نَفَس الرواية.
الأكثر إشكالًا أن بركة ساكن لا يتعامل مع المأساة بوصفها سؤالًا أخلاقيًا أو إنسانيًا مفتوحًا، بل بوصفها بطاقة عبور. كل رواية تقف على ركام، لكن دون أن تصرخ. القتل حاضر، الإبادة مذكورة، الجراح تُعرض، لكن بلا عمق فلسفي أو جهد فني حقيقي لتفكيك أسبابها. كأنّ الدم نفسه هو الرسالة، وكأنّ كثافته تغني عن التفكير.
وفي هذا السياق، تبدو علاقته بسردية “الجنجويد” ملتبسة إلى حدٍ فاضح. فبدل مساءلتهم بوصفهم نتاجًا تاريخيًا لأنظمة عنصرية واستبدادية، وبدل تفكيك بنية العنف التي صنعتهم، يميل النص — في مواضع عديدة — إلى التقريظ الضمني أو التبرير السردي، لا انحيازًا للضحية، بل اتكاءً على الإثارة. الضحية الحقيقية، في كثير من أعماله، تختفي لحساب شخصية صادمة، مشوّهة، تُستخدم كأداة صدمة لا أكثر.
مشكلته الأعمق تظهر في طريقة تمثيله لـ«الآخر» العربي المسلم. هذا الآخر، في عالم بركة ساكن، لا يكاد ينجو من التشويه: هو إما متطرّف، أو منافق، أو ذكوري متوحش، أو تاجر دين. قلّما نجد شخصية عربية مسلمة مكتملة، إنسانية، ذات تعقيد داخلي حقيقي. النقد هنا ليس في انتقاد الإسلاميين أو الأنظمة السياسية فذلك حق مشروع لأي كاتب بل في تحوّل الإزدراء إلى نمط سردي ثابت، يُعاد إنتاجه من رواية إلى أخرى، حتى يصبح أقرب إلى هوس منه إلى موقف فكري.
رواية مسيح دارفور مثال صارخ على هذا المنحى. فبدل أن تكون تفكيكًا فنيًا لمأساة دارفور، جاءت محمولة بخطاب استرضائي واضح للذائقة الأوروبية العلمانية، تلك التي تبحث عن شرقٍ دائم الجريمة، دائم الاتهام، جاهز للتجريم الأخلاقي دون مساءلة البنى العالمية التي شاركت في إنتاج الكارثة. هنا لا يعود النص مغامرًا فنيًا، بل مُعدًّا بعناية ليتوافق مع ما يُراد سماعه.
وعندما اندلعت الحرب الأخيرة، كان يُنتظر من كاتب طالما قدّم نفسه بوصفه شاهدًا أخلاقيًا أن يكون أكثر وضوحًا وانحيازًا للضحايا. لكن ما صدر عنه — في مقالات وتصريحات متفرقة — بدا، في نظر كثيرين، ملتبسًا ومراوغًا؛ إذ جرى تحميل القوى المدنية والسياسية، والديمقراطية ذاتها، أوزار الخراب، مع قدر أقل من الوضوح في تسمية الفاعلين الحقيقيين وبنى العنف العميقة. هذا التلعثم لا يمكن فصله عن مأزق الكاتب الذي بنى مشروعه على نقدٍ انتقائي، لا على رؤية أخلاقية صلبة.
حتى على المستوى الفني الخالص، تعاني نصوص بركة ساكن من فقر بنيوي لافت. الشخصيات تُقاد بيد الكاتب لا بمنطقها الداخلي، النهايات متوقعة، والصوت الواعظ يتسلل بلا استئذان ليقتل أي احتمال للتأويل الحر. الرواية، عنده، ليست فضاءً للأسئلة، بل منبرًا لتصفية حسابات فكرية ونفسية، تُغلف أحيانًا بشيء من البلاغة، لكنها تظل خواءً مدهشًا عند التفكيك.
قد يقول قائل إن كل هذا يدخل في باب حرية الكاتب ورؤيته الخاصة، وهو قول صحيح من حيث المبدأ. لكن المشكلة ليست في الرؤية، بل في تحوّلها إلى وصفة جاهزة، تُعاد كتابتها كل مرة، مع تغيير أسماء الأمكنة والشخصيات فقط. وهنا يفقد النص براءته، ويتحوّل إلى ممارسة نمطية، تُراكم الكتب ولا تُراكم الأدب.
بركة ساكن، في النهاية، ليس مأساة فردية بقدر ما هو مرآة لخلل أوسع في معايير التلقي والاحتفاء. كاتب رُفع لأنه “يمثلنا” في أسواق الخارج، لا لأنه قدّم مشروعًا سرديًا متماسكًا. والنتيجة أدب يمكن أن يُثير، لكنه نادرًا ما يُفكّر؛ يُصدم، لكنه لا يُنير؛ ويُقرأ أحيانًا، ليُنسى سريعًا.
ذلك هو مأزقه الحقيقي: ضجيج بلا أثر، وجرأة بلا عمق، وروايات تكتب عن الخراب، لكنها لا تعرف كيف تُنقذ الأدب من السقوط معه.




