
أبو عبد الله الراشدي
ليس الخلاف مع عبد العزيز بركة ساكن خلافًا حول حق الكاتب في النقد أو الاشتباك مع المسكوت عنه، بل هو خلاف أعمق يتعلّق بطبيعة ما يكتبه وكيف يكتبه. فالمشكلة، في جوهرها، ليست في شجاعة الطرح، وإنما في انحدار الرواية عنده من كونها فعلاً فنياً مركباً، إلى كونها تفريغًا نفسيًا حادًا يتوسل السياسة، ويستثمر المأساة، ويستدعي الإثارة بديلاً عن البناء السردي.
بركة ساكن يكتب وهو محمّل بقطيعة غير محلولة مع محيطه الثقافي والاجتماعي. هذه القطيعة لا تتحول في نصوصه إلى سؤال معرفي أو مراجعة عميقة، بل إلى نزوع عدائي ثابت تجاه كل ما هو عربي ومسلم، يُعاد إنتاجه بصيغ مختلفة، حتى يبدو وكأنه الموقف الوحيد القابل للكتابة. هنا تفقد الرواية أحد أهم شروطها: التعدد، والتعقيد، والقدرة على تمثيل الإنسان خارج القالب الجاهز.
النص عند ساكن لا يُنصت لشخصياته، بل يمارس الوصاية عليها. يقرر مصائرها، يحمّلها أفكاره، ويُقحمها في صراعات أكبر من منطقها الداخلي. فتتحول الشخصيات إلى لافتات فكرية، لا كائنات حية. القارئ لا يكتشف الشخصية، بل يُلقّن موقفًا. وهذا أحد أخطر ما يمكن أن يصيب الرواية: أن تتحول من فضاء حر للأسئلة، إلى نشرة رأي مقنّعة بلغة الحكي.
اللافت أيضًا أن لغته الروائية، رغم كثافتها الظاهرية، فقيرة من حيث الاشتغال الجمالي. لا مغامرة حقيقية في الشكل، ولا تطوير لآليات السرد، ولا انشغال فعلي بالزمن أو الصوت أو البنية. كل شيء مسخّر لخدمة الرسالة السياسية المباشرة، حتى تبدو الرواية أحيانًا كأنها مشجع في مدرج جانبي يصرخ أكثر مما يفكّر، ويبالغ أكثر مما يخلق.
وعند تناوله للحرب والعنف، يميل ساكن إلى اللغة الدعائية، لا إلى التحليل الفني. يستعير مفردات جاهزة، ويعيد تدوير صور مألوفة للضحية والجلاد، دون مساءلة حقيقية للبنى التي تنتج هذا العنف. الأسوأ من ذلك، أن النص يوحي أحيانًا بتسطيح الجريمة عبر تحويلها إلى مادة سردية مثيرة، تُستهلك ثم تُرمى، لا إلى جرح أخلاقي يستدعي التوقف والتأمل.
أما تمثيله للجنجويد، فهو مثال واضح على هذا الخلل. فبدلاً من تفكيكهم بوصفهم نتاجًا لأنظمة عنصرية وإقصائية وبنى دولة فاشلة، تتحول بعض معالجاته إلى تطبيع سردي مع وجودهم، أو إلى استثمار فجّ في بشاعة صورتهم، بما يخدم مناخ الإثارة لا العدالة. الضحايا الحقيقيون يغيبون هنا مرة أخرى، لحساب مشهد صاخب بلا مسؤولية أخلاقية.
كثيرون يخلطون بين الوقاحة والجرأة، وبين الصدمة والعمق. وبركة ساكن، في هذا الخلط، كان مستفيدًا. قُدّمت نصوصه بوصفها اقتحامًا للمحرّم، بينما هي في كثير من الأحيان كسل فكري مغلّف بالاستفزاز. لم يبذل جهدًا حقيقيًا لتوليد معنى يُفاجئ القارئ، بل اكتفى بتكرار ما يضمن التصفيق في صالات معينة، والاحتفاء في أسواق ثقافية لا تطلب من الكاتب سوى أن يكون مطابقًا لصورتها المسبقة عن هذا العالم.
لهذا لا يبدو بركة ساكن مشروعًا روائيًا بقدر ما هو حالة نفسية ممتدة، تكتب وتعيد كتابة الموقف نفسه، باللغة نفسها، والغضب نفسه. قد تُقرأ نصوصه، وقد تُحدث ضجيجًا، لكنها نادرًا ما تترك أثرًا أدبيًا باقياً. فهي، في المحصلة، روايات تفتقد الأدب، وتملك الكثير من الضجيج… وذلك أسوأ ما يمكن أن يُقال عن كاتب.




