
فاطمة لقاوة
عندما عاد وفد المسيرية من محكمة تحكيم لاهاي، وسُئل الناظر مختار بابو عمّا جرى، كانت إجابته المختصرة والموجعة:“مشينا ديك مدلدل ورجعنا ديك مدلدل.”،جملة عابرة في ظاهرها، لكنها تختصر واحدة من أكبر عمليات التلاعب بإنسان كردفان عامة، وبشعب مديرية جنوب كردفان على وجه الخصوص، حين صاغت عناصر المؤتمر الوطني مأساة متكاملة، وحوّلت الأرض والإنسان إلى أوراق تفاوض بلا قيمة.
لم تكن المأساة قضاءً وقدرًا، بل صُنعت عمدًا، حين جرى تفريغ جنوب كردفان من وزنها الحقيقي، وصناعة كيان هلامي باسم “ولاية غرب كردفان”، لا لتكريم أهلها، بل لتحويلها إلى تمثال من العجوة، يسهل على الإسلامويين التهامه كلما دعت الحاجة.
الأخطر من ذلك أن خيوط هذه الجريمة لم تُحَك فقط بأيدي المركز، بل شارك فيها أبناء من جلدتنا، باعوا أهلهم مقابل الإمتيازات، ورضوا أن يكونوا أتباعًا، يقدّمون مجتمعاتهم قرابين على موائد السادة.
بعد سنوات من النضال، كان الأمل أن تخرج غرب كردفان من هذا النفق، أن تُدار بعقلية جديدة، منفتحة، تقطع علاقتها مع العشوائية والزبونية.
المؤلم أننا سقطنا مجددًا في جُبّ الملهاة ذاتها ، وكأن اللعنة لم تُكسر بعد.
تحررت الولاية عسكريًا من قبضة عصابة بورتسودان، لكنها ما زالت أسيرة عقلية الماضي؛ ذات العقلية التي لا تعيش إلا على الغِش، وتخترع ملهاة جديدة كلما لاح أفق الانعتاق.
غرب كردفان اليوم لا تحتاج إلى هبات ولا إلى إستعراضات جوفاء، بل إلى حراك جماهيري واسع لا يُقصي أي مكوّن من مكوّناتها.
حراك يضع على الطاولة قضيتين لا ثالث لهما:أولًا: أمن الولاية بلا تمييز ولا محاباة.
ثانيًا: إدارة ملف البترول إدارة رشيدة، تقطع مع إخفاقات الماضي، وتحوله من لعنة إلى نعمة.
هذه الرؤية يتم رفعها ، عبر ممثلي الولاية، إلى المجلس الرئاسي، لتكون أساسًا للقرار داخل حكومة تأسيس، لا ديكورًا سياسيًا.
المؤسف أن والي الولاية إختار الطريق الأسهل والأخطر معًا: إستدعاء العقلية القديمة، ليصرف المجتمعات عن قضاياها الأساسية.
ظهر أمام رجالات الإدارة الأهلية وهو يتباهى بمنح عربات “بكاسي دبل قبين”، في محاولة مفضوحة لشراء الولاءات وصناعة ملهاة جديدة.
هذا الأسلوب لم يعد مقبولًا، وقد لفظه شباب غرب كردفان من قبل في إعتصامات بابنوسة ولقاوة الشهيرة، حين وقفوا في وجه ذات السلوك في عهد الظلام،فما الذي تغيّر حتى يُعاد إنتاجه اليوم؟.
حكومة تأسيس، وقادة سفينتها – الجنرال محمد حمدان دقلو (حميدتي) والكمرد عبد العزيز الحلو – مطالبون اليوم بإدراك حقيقة واحدة لا تقبل التأجيل:لا تغيير بلا قطيعة جذرية مع السلوك القديم.
غرب كردفان ليست هامشًا عابرًا، بل ولاية دفعت ثمنًا باهظًا، وتستحق إدارة تليق بتضحياتها.
البداية الحقيقية تكون بضبط الأمن، وإنهاء الفوضى، وإعادة صياغة ملف البترول ليكون رافعة للتنمية لا وقودًا للصراع.
وهنا، لا بد من قول ما يجب قوله بلا مواربة:ما يجري في غرب كردفان اليوم لا يمكن تبريره سياسيًا ولا تحصينه أخلاقيًا.
القانون الثوري لا يعترف بشرعية سلطة تعيد إنتاج أدوات الفساد القديمة، ولا يمنح غطاءً لمن يستبدل حق الشعب في الأمن والتنمية بمنحٍ عينية وولاءات موسمية،كل مسؤول يشتري الصمت العام بسيارات أو إمتيازات، إنما يرتكب جريمة سياسية مكتملة الأركان، لأنها تهدر مبدأ تكافؤ الفرص، وتقوّض أسس الحكم الرشيد، وتضع موارد الولاية خارج نطاق المصلحة العامة.
إدارة ملف البترول خارج إطار الشفافية والمحاسبة ليست خطأً إداريًا، بل إنتهاك مباشر لحق المجتمعات المحلية في ثروتها، وسبب مشروع للمساءلة والعزل وفق منطق العدالة اإنتقالية التي قامت من أجلها ثورة التغيير.
لا يملك أي والي أو مسؤول تفويضًا للتصرف في موارد غرب كردفان باعتبارها غنيمة سياسية، لأن السيادة هنا للشعب، لا للإدارة الأهلية المُستتبَعة ولا للسلطة المؤقتة.
عليه، فإن الإستمرار في هذا النهج يضع القائمين عليه في مواجهة مفتوحة مع الإرادة الجماهيرية، ويمنح شعب غرب كردفان كامل الحق في إستخدام أدوات الضغط السلمي الثوري: من تنظيم القواعد، إلى الإعتصام، إلى فرض الرقابة الشعبية على القرار العام.
الثورة لم تُشعل لإعادة تدوير الوجوه، بل لاقتلاع السلوك الذي جعل من الولايات مسارح ملهاة، ومن الدماء أوراق تفاوض.
هذه لحظة فاصلة لا تحتمل الرمادية:إما أن تنتصر حكومة تأسيس لجوهر التغيير، وتُعلن القطيعة التامة مع عقلية الرشوة السياسية،أو تتحمّل كامل المسؤولية التاريخية والقانونية عن إعادة إنتاج المأساة.
ففي ميزان الثورة: لا حصانة لمن خان الأمانة، ولا شرعية لمن أعاد إنتاج الفشل.
ولنا عودة بإذن الله
السبت،٢٤يناير/٢٠٢٦م




