
عبد الله محمد عبدالله يكتب صدي البحير
عبر عدة قرون انتشرت الكثير من التنظيمات والحركات والاخويات السرية لاسباب مختلفة , والكثير من تلك الاشكال التنظيمية اندثر , الا ان من الملفت هو المحاولات الخفية لاحياء بعض تلك الروابط بشكل عصري ونفخ الروح فيها لتكون ابواب خلفية للدول للولوج الى المجتمعات المستهدفة وتخريبها , وهو مدار حديثنا .
نظرة تاريخية
على مر التاريخ تشكلت الكثير من الجمعيات والاخويات والحركات السرية لاسباب مختلفة وبخلفيات متنوعة منها ماهو ديني او قومي او فكري او اقصائي او غير ذلك , كما اختلفت اماكن ظهور تلك الحركات , وبغض النظر عن بعض الاطروحات الغير العلمية التي ترجع الامر الى حدود خيالية من قبيل ان ابونا آدم اول من عمل جمعية سرية مقرها جنة عدن !!!! فإن ابرز الحركات السرية برزت قبل قرون عديدة كما في اخوان الصفا في القرن الثالث الهجري والعاشر الميلادي بالبصرة , وكما في فرسان الهيكل في روما في القرن الحادي عشر , او الماسونية في القرن السادس عشر .
كما شهد القرن التاسع عشر والعشرين بروز الكثير من الحركات والجمعيات والاخوانيات في العالم , تميزت الكثير منها بالشوفينية والعنصرية لاسيما في امريكا كالكوكس كلان او جمعية العظام والجمجمة وجمعية روسكروسن وجمعية معابد الشرق , فيما برزت في الشرق جمعيات وحركات ذات طابع ديني كالبهائية والبابية بشكل متزامن مع زيادة اهتمام الدول الاستعمارية بالشرق الاوسط , وهي الدول الضليعة بدراسة عادات وتقاليد واديان ومذاهب الشعوب والمتمرسة في صناعة الحركات السرية الدينية.
هذا بالاضافة الى التأثير اليهودي والفكر الصهيوني الذي انشأ تزييفات لاتزال تفعل فعلها في الوعي العربي والافريقي من قبيل حكماء آل صهيون وبروتوكولاتهم , هي وثيقة مزيفة تتحدث عن خطة لغزو العالم أُنشِئت من قِبَل اليهود , ففي عام 1901 كتَبَ هذه الوثيقة ماثيو جولوڤينسكى مُزَوِر ومُخبر من الشرطة السياسية القيصرية مستوحياً متنها من كتاب حوار في الجحيم بين مونتسكيو وميكافيلي للمؤلف موريس چولى ليؤلف اسطورة من مجلس حكماء اليهود يهدف لتدمير المسيحية والهيمنة على العالم عبر بروتوكولات تمثل خطوات الهيمنة , ورغم ثبوت زيف رابطة الحكماء السرية تلك وكتابها الزائف الا ان الكتاب لايزال من اكثر الكتب رواجاً في عالم الكتب لاسيما في المنطقة العربية والافريقيه خصوصاً , ولايزال الكثير ممن يقرؤونه يقرون بإستسلام غريب ان مايحصل في العالم هو نتاج لتلك البروتوكولات السرية.
السرية …لماذا :
ان اي مجتمع لا يتقبل الأفكار الغريبة عنه بصدرٍ رحب ، فالمجتمع يسير وفق القوانين والأفكار التي تراها الأكثرية صحيحة ؛ لذلك فقد لجأ أصحاب الأفكار المناقضة لأفكار المجتمع إلى إخفائها وكتمها وتزويقها والاكتفاء بنشرها ضمن مجموعات صغيرة من الأفراد، يطلق عليها اسم الجمعيات السرية أو الأخويات , وكانت بداية تلك المجموعات من أجل نشر أفكار علمية مناهضة لفكر الكنيسة في أوروبا، كحال جمعية جاليلو السرية الذي وجد أنَّ الأرض كروية وتدور حول الشمس وهذا ما كان يخالف الكنيسة التي كانت تعتبر ان الارض مركز العالم وروما مركز الارض والكنيسة مركز روما فلاتقبل ان تكون الارض تسير في فلك الشمس لانه يحطم هيبة الكنيسة , فكان عليه أن يخفي آراءه كيلا يعاقب .
وتتعدد التفسيرات والنظريات التي تحاول فهم طبيعة لجوء الجمعيات الى السرية الا ان بالامكان اجمال تلك الاسباب بما يلي:
اولا _ هناك فئة من الناس لجأت إلى السرية عبر التاريخ هربا من اضطهاد الأكثرية، وأنها أخفت طقوسها الدينية الخاصة بها لتحظى ببعض الخصوصية دون أن يكون هناك أي بعد تآمري للإضرار بالمجتمع , كاخوان الصفا.
ثانيا _ ويزعم فريق آخر أن هناك فئة من الحكماء كانت تحتكر الحكمة الصحيحة التي لا يقدر العوام على فهمها منذ آلاف السنين، فاضطرت تلك النخبة لإخفاء وترميز علومها لحمايتها من التشويه والتحريف ومن الوقوع في أيدي الأشرار , وإن هذه النخب رمّزت علومها وأسرارها في طريقة بناء الهياكل والصروح كالاهرامات ليتمكن أحفادهم بعد آلاف السنين من استخراج تلك العلوم والاستفادة منها , كما في بدايات نشوء حركة البنائين الماسونية ثالثا_ ومن أسباب العمل السري أيضا اضطرار الحركات المقاومة للمحتل أو المعارضة للحكم إلى التخفي لحمايتها من القمع، فالهدف في هذه الحالة سياسي لا ديني.
رابعا _ يرى فريق آخر أن ظهور الجمعيات السرية يعود أصلا إلى أسباب نفسية واجتماعية فقط، فالإنسان يسعى إلى التمرد على الطبيعة بالبحث في عالم المجهول السحري، وقد يجد في رموز وطقوس الجمعيات الغامضة ما يشبع نهمه هذا , فاغلب الناس يميلون الى حب الاطلاع ويجذبهم عالم الاسرار وخاصة الانسان الشرقي الميال الى القوى الغامضة , او كما يقول ارسطو من إن مغزى ممارسة الطقوس السرية لا يكمن في تعلم شيء ما فقط بل في مكابدة تجربة التغيير.
خامسا _ ان الغموض هو عمل له ابعاده للولوج عبر ساتر الى مجتمعات الخصم عبر تشكيلات سرية مثيرة للجدل بحسب طبيعة كل مجتمع . وهو جهد سري من انواع النفاذ المستتر غير المباشر عبرانشاء جمعيات وحركات سرية يتم من خلالها بث الافكار المنحرفة واحداث شروخ في ثوابت المجتمعات , وهذا السبب هو المرجح في عصرنا هذا .
الاستسلام عبر الشغف :
كثيراً مانسمع بمسميات لجمعيات واخويات وروابط سرية وانتشار لشعاراتها ولقصص غموض وتكتم يحيط بتلك الجمعيات , وكلما بدت غامضة زاد الشغف بها يصل حد الاعجاب , ولعل ابرز مثال على ذلك هو ما تجده من شغف المسلمين خصوصاً بأي معلومة عن الماسونية يصاحبه استسلام شعبي من قدرتها وسطوتها في كل مايدور في العالم , وشعور بمدى قوة الاخوة الماسونية والتعاون بين افرادها لدرجة التضحية دون النظر الى الفروق الطبقية بين اعضاء الجمعية , وليرسخ في عقول المجتمع عمق معاني الاخوة والوفاء الماسوني في وقت يرى المواطن اخاه يحتال على نصيبه في ميراث ابيه , فيتركز في ضميره سطوتهم وعلو اخلاقهم ووفائهم ويمني نفسه لوكنت له السطوة والعزة التي لديهم.
ان الكثير مما نسمعه من مسميات للجمعيات السرية لم يعد له وجود حقيقي على ارض الواقع , الا ان هنالك جهود لابقاء هالة الحركات السرية وشعاراتها في اذهان المجتمعات المستهدفة , والتأكيد على انها هي المتحكمة بالعالم , وانها لاتزال حية وفعالة ولايمكن الفكاك من شباكها , وان الافضل للشعوب ان تلحق بركب الاستسلام وتسليم مفاتيح عقولها ومجتمعاتها واوطانها للمصير المحتوم , وهذا هو لب النجاح تجاه المجتمعات المستهدفة .
ولكي تكتمل الصورة لدى المجتمعات , فلابد من دغدغة المشاعر الجياشة للشباب من خلال التشويق والسرية والشعارات والالوان والقيم البراقة وتعميق الخيال الخصب للسرية وهالة الغموض , من قبيل الاعادة والتكرار بوسيلة التعارف الماسونية وطقوس الانتماء والدرجات الماسونية , دون ان يتسائل احد عن مدى سهولة معرفته بكم الاسرار للطقوس السرية والعلنية ومن يقف ورائها .
فلو اخذنا الماسونية باعتبارها ام الحركات السرية واوسعها انتشاراً سنرى ان بداياتها كجمعية للبنائين واسرار البناء بشعار الفرجال والمثلث تبدوا جمعية منطقية , ولكن ماهو غير منطقي التطور السري لها وتحولها الى الهالة التي عليها الان عبر عدة قرون حتى تشكلت صورتها الذهنية التي بات يراها المواطن بمثابة القدر المسيطر على حياته ومستقبله.
ويزداد الوضع غموضاً مع بداية الاهتمامات الاستعمارية في الشرق الاوسط وإفريقيا بظهور حركات واخويات حافظت على متعة غموضها وطقوسيتها السرية , ليصل الحال مع ثورة الانترنيت التي يفترض بها ان تهتك الاسرار بفعل انتشار المعلومات الى بروز حركات اغرب وطقوس لايمكن تخيل وجودها في المجتمعات المحافظة من قبيل طقوس وجمعيات عبدة الشيطان, واخويات المثلية الجنسية وسواها .
لعبة الغموض
ان اجهزة الدول الكبري هي اللاعب الاكبر في لعبة الغموض والاسرار , وهي الخبيرة بالنفس البشرية التواقة لكل ماهو غامض , وهي الاقدر على ابتكار اشكال مختلفة من الحركات والجمعيات الغامضة وتعرف كيف تجذب اليها المريدين وكيف تتلاعب بهم من خلف الستار , كما ان هناك حساسية عالية من اي تشكيل او جماعة او ملتقى ذا طابع سري يتشكل من خارجها , فتسعى بجهدها الى السيطرة عليه .
لقد استخدمت الهالة السرية لبعض الجمعيات لتعزيز مسمياتها وتفخيمها واعادة احيائها ” وهي رميم ” ووضعت على رأسها ابناء الملوك او الزعماء كنوع من التكريم الظاهري الزائف ليكونوا طوع بنانها وللسيطرة على الزعماء وعوائلهم , والحقيقة انها تضعهم كصنائع وهو مانراه من العضويات الفاخرة في اندية الروتاري وتنظيمات الماسونية المعاصرة والهزيلة .
فمعظم تلك التنظيمات صنعت كوسيلة للسيطرة والهيمنة والنفوذ وزرع الفرقة وتضعيف الحكم ومهاجمة الانظمة والشعوب المستهدفة من خلال ايهام الشخصيات بافكار منحرفة والايحاء لهم بأهميتها لغايات سياسية اواجتماعية او اخلاقية. ان الجمعيات السرية في الزمن القديم تشبه حالياً ادوار منظمات المجتمع المدني التي يبدو الكثير منها بريء المظهر , فبرغم ان تلك المنظمات علنية ولايبدو عليها الغموض , الا ان معظمها تشكل اما في اقبية سرية او تمت السيطرة عليه عبر المنظمات الداعمة , وهنا يجب الا نشمل بقولنا التعميم فهنالك منظمات تقوم بواجبات انسانية ملموسة ولها حسابات وتمويلات واضحة ونظيفة , الا ان الاغلب من تلك المنظمات تسببت باضرار سياسية واجتماعية جسيمة , حيث ترى كثافة منظمات المجتمع المدني في الدول التي بها حروب واضطرابات سياسية.
الضد النوعي
في سعيها الى ابتكار حركات ذات طابع سري كبوابة للنفاذ والتلاعب بعقول المجتمعات خصوصاً فئة الشباب , ففتش عن الفعل السري ولاسيما حين يكون الغموض بشكل منظم وممول , فلايوجد تحرك منظم الا وله ميزانية وداعم.




