رأي

عادل ود سهل يكتب في الذكرى المئوية لاستشهاد: الناظر سليمان جابر جمعة سهل، ‏ورفاقه الأبرار من شهداء قبيلة المجانين 17 أكتوبر 2025 – 25 يناير 2026‏

دكتور عادل سهل .. الدوحة

 

دكتور عادل سهل .. الدوحة 

‏﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾‏

مائة يوم على رحيل الناظر سليمان جابر جمعة سهل… حين أنصفه الموت

مائة يوم مرّت‎…‎

وما زال المكان واقفاً مكانه‎…‎

الدار كما هي الدار‎ …‎

الوجوه كما هي الوجوه‎…‎

لكن غاب صاحب الظل الطويل‎ …‎

فانكشف المعنى، وبان الوزن الحقيقي للرجال‎.‎

رحيل الناظر سليمان جابر جمعة سهل لم يكن خبراً عابراً في نشرة حزن‎.‎

ولا رقماً في سجل الفقد أو سجلات الأحوال المدنية‎.‎

كان رحيله قيمة‎…‎

بل كان رحيله زلزالاً في الوجدان‎ ‎‏ …‏

وكان امتحاناً قاسياً للزمن‎…‎

كأنما الزمن اقتلع عموداً من أعمدة الخيمة، فانكشفت السماء على حزن كثيف، ورأى الناس فجأة ‏هشاشة وجودهم في هذه الدنيا.‏

نعم رحل فجأة، لكن لا شيء في رحيله كان ناقصاً أو مبتوراً‎.‎

رحل في دياره، ودامرته، وبين أهله وعشيرته، رحل واقفاً على قدميه، لم ينكسر، لم يهرب، لم يساوم على ‏كرامته، ولم يطلب من الحياة مهلة ليبرر موقف.‏

وهنا، بالضبط نقولها بلا تجمل أو مواربة: الموت أنصفه‎.‎

نعم، أنصفه الموت‎.‎

لأن بعض الرجال لا تليق بهم إلا نهايات خاصة، ميتات خاصة، ميتات تشبههم… ميتات عز، ميتات ‏فخر، ميتات رجولة، ميتات تُكتب، ولا تُنسى‎.‎

في الذكرى المئوية نعيش بين حزن الفقد وفرح الميتة الشريفة

الحزن على الناظر سليمان حزن إنساني طبيعي؛ فقد غاب وجه تعود الناس أن يجدوا فيه السند، وغابت ‏سيرة رجل كان حضوره يضبط ميزان القبيلة والمنطقة بالحكمة والبأس معاً‎.‎

مائة يوم مرت ثقيلة كالجبال، طويلة كالدهر، مريرة كالعلقم‎.‎

نبكيك لأنك غبت عنا، لأن صوتك لم يعد يملأ المجالس، لأن يدك لم تعد ممدودة للسلام، لأن ‏ضحكتك لم تعد تُشرق في الديار‎.‎

نبكيك لأن القبيلة افتقدت ظلها، والأرض افتقدت عمودها، والناس افتقدت سندها‎.‎

يبكيك الرجال لأنهم فقدوا فيك الظهر والسند، ويبكيك الصغار لأنهم فقدوا اليد التي كانت تربت على ‏الرؤوس وتزرع الطمأنينة في القلوب‎.‎

وتبكيك الأرض التي عرفت وقع خطواتك، وعرفتك فارسها يوم احتاجتك، وراعيها يوم جاعت، وقائدها ‏يوم ضاقت بها السبل‎.‎

نبكيك …. ونفرح لرحيلك‎…‎

نعم كتبتها هكذا، ولا خطأ في العبارة، نبكيك ونفرح لموتك !‏

لكن الفرح هنا ليس فرحاً بالفراق‎.‎

بل فرح بالكرامة التي صحبت لحظة الرحيل‎.‎

فقد مات في دياره، وفي دامرته، وبين أهله وعشيرته.‏

لم يهرب، ولم ينكسر، ولم يختبئ، ولم يقبل أن يكون على هامش المشهد حين دقت طبول الحرب‎.‎

 

لقد أنصفه الموت‎ …‎

لأنه لم يأخذه في سريره غافلاً‎.‎

ولم يختطفه في مكان بعيد لا يليق بسيرته‎.‎

بل وجده حيث ينبغي لقامة مثله أن توجد في اللحظات الحاسمة‎.‎

في قلب الأرض التي أحبها، وبين الناس الذين حمل همهم‎.‎

وفي وضع يشهد له بالشجاعة لا بالتخاذل، وبالعز لا بالهوان‎.‎

 

مائة يوم ونحن نبكيك حزناً، ونرفع رأسنا فخراً.‏

مائة يوم على ميتة العز والشهامة والرجولة.‏

هناك موت يُطفئ سيرة صاحبه، وموت يزيدها توهجاً؛ والناظر سليمان من الصنف الثاني‎.‎

 

الميتة التي رزقه الله إياها ليست من نصيب كل أحد‎.‎

كثيرون يمضون من هذه الدنيا موتاً باهتاً لا يحمل معنى‎.‎

بينما قلة قليلة يخرجون منها ودمهم يوقع آخر سطور سيرتهم بالشجاعة والأنفة والرجولة‎.‎

لم يمت في سريره، لم يمت وهو يساوم على شرف الموقف‎.‎

لم يمت وهو يختبئ خلف الأعذار، لم يمت صغيراً في القيمة، ضيقاً في القامة، هشاً في الموقف‎.‎

مات كما عاش: واضحاً، صلباً، مكشوف الجبهة، عالي الرأس‎.‎

بل استُشهدت واقفاً شامخاً، كالطود الأصم، كالجبال العالية، كما يموت الأبطال‎.‎

لم تهرب ولم تجبن ولم تنكسر‎.‎

بل ثبتَّ في دارك وبين أهلك حتى آخر لحظة‎.‎

لم تمت متخاذلاً ولا منكسراً، بل متَّ عزيزاً شامخاً كريماً‎.‎

لم تكن تقبل أن تموت ميتة غير هذه الميتة؛ ميتة العز والشهامة والرجولة والإباء‎.‎

وهذا ليس قسوة على الموت، بل إنصافاً لسيرته‎.‎

لأنه لو مات في سريره مثلاً، لأحس كثيرون أن القدر قد ظلمه‎.‎

وأن تاريخاً من البأس والقيادة انتهى نهاية لا تليق بمقدمته‎.‎

أما وقد ختم الله له بهذه الخاتمة‎.‎

فإن القلب – مهما نزف – يجد عزاءه في أن الميتة جاءت على مقاس الرجال الكبار‎.‎

في الذكرى المئوية فإن خالد بن الوليد وسليمان جابر: سيفان لم ينكسرا.‏

‏﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا ‏تبديلاً﴾‏

في التاريخ الإسلامي العظيم، كان الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه، والملقب بـ”سيف الله ‏المسلول”، كان قد خاض أكثر من مائة معركة لم يُهزم في واحدة منها، رجل كان جسده مليئاً بندوب ‏السيوف والرماح وآثار المعارك‎.‎

فحين حضرته الوفاة على فراشه، قال كلمات خالدة تحمل ألم الفارس الذي لم يُقدر له أن يموت شهيداً في ‏ساحة القتال:” لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها، وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية ‏بسهم أو طعنة برمح، وها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء‎!”‎

كلمات تقطر ألماً وحسرة من فارس عظيم أراد أن يختم حياته بالشهادة في سبيل الله‎.‎

لكن القدر شاء أن يموت على فراشه‎.‎

هذه الكلمات تكشف عن نفسية المحارب الأصيل الذي يرى أن الموت على الفراش  رغم أنه قضاء الله ‏وقدره لا يليق بمن قضى حياته في الجهاد والنضال‎.‎

كانت حسرة خالد رضي الله عنه أنه يموت ميتة لا تشبه عمره ولا جهاده‎.‎

عاش فارساً، وقائداً، وسيفاً مسلولاً في وجه أعداء الأمة‎.‎

ثم انتهت به الحياة إلى فراش هادئ لا يليق بروح اعتادت أن تودع النهارات تحت سنابك الخيل لا على ‏وسائد السكون‎.‎

لكن يا أبا جابر، لم يكن نصيبك كنصيب خالد‎.‎

أنت لم تمت على فراشك‎.‎

بل استُشهدت واقفاً، في دارك، بين أهلك، وأنت تقود قبيلتك وتدافع عن أرضك بالحكمة والموقف ‏الثابت‎.‎

خالد بن الوليد تمنى الشهادة ولم ينلها‎.‎

وأنت يا سليمان نلتها وأنت لا تحمل سلاحاً.‏

خالد حزن لأنه مات على الفراش، ونحن نفخر بك لأنك متَّ واقفاً‎.‎

هو مات بعد أن خاض مائة معركة‎.‎

وأنت متَّ بعد أن قدت قبيلتك ثلاث سنوات من الحرب بالحكمة والصبر والحنكة، تُطفئ نيران ‏الفتنة، وتمنع أبناءك من الانزلاق في أتون الحرب الأهلية، وتحفظ كرامة القبيلة ووحدة الصف. ‏فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ وهل جزاء السلام إلا الشهادة؟

أما سليمان، فقد نال ما يشبه أمنية الفرسان؛ ولم تغدر به السنون في لحظة ضعف على حافة ‏الحياة، بل خرج منها كما عاش فيها‎:‎

🔹ثابتاً على أرضه.‏

🔹‏ حاضراً بين أهله.‏

🔹‏ متمسكاً بما يراه حقاً.‏

🔹‏ تاركاً وراءه سيرة من دم وشرف وشهامة تُروى للأبناء والأحفاد، لا لتُدفن معه في التراب‎.‎

في الذكرى المئوية لماذا نفخر بهذا الرحيل وبهذه الميتة، ميتة العز والفخر؟

قد يسأل سائل: كيف نفرح بموت حبيب؟

كيف نفخر بفقد عمود من أعمدة القبيلة؟

والجواب: نحن لا نفرح بالموت، بل نحزن عليه حزناً يعتصر القلوب‎.‎

لكننا في الوقت نفسه نفخر بطريقة الموت التي اختارها الله لك يا أبا جابر‏‎.‎

نفخر لأن الله أكرمك بميتة لا ينالها إلا الصادقون، ميتة تُسجل في التاريخ بأحرف من نور.‏

لأنك لم تمت فاراً‎.‎

كم من زعيم وقائد حين اشتدت الأزمات، ترك قومه وفر إلى بلاد الأمان؟

كم منهم من هاجر وترك شعبه يواجه مصيره وحده؟

أما أنت يا أبا جابر، فقد بقيت في دارك المزروب منذ بدأت الحرب‎.‎

رفضت أن تهاجر، رفضت أن تترك قبيلتك، رفضت أن تبحث عن سلامة نفسك على حساب ‏مسؤوليتك‎.‎

ثلاث سنوات وأنت صامد في أرضك، لا تبرحها، تدير شؤون قبيلتك، تحل مشاكلهم، تحميهم من الفتن‎.‎

لأنك لم تمت منكسراً‎.‎

كم من قائد انكسر أمام التحديات فباع مبادئه، وتنازل عن كرامته، وساوم على شرفه؟

ما أنت فقد بقيت ثابتاً على موقفك الحكيم: السلام، الحكمة، رفض حمل السلاح، الدفاع عن القبيلة ‏بالكلمة والموقف. لم تنحنِ، لم تتراجع، لم تساوم. بقيت كالطود الشامخ حتى آخر لحظة‎.‎

لأنك لم تمت جباناً.‏

الجبان يختبئ، يتوارى، يبحث عن الأمان في كل مكان‎.‎

أما الشجاع فيواجه، يثبت، يقف في وجه العاصفة.‏

وأنت يا أبا جابر كنت الشجاع الذي لم يهرب من مسؤوليته، بل واجه الأزمة بصدر رحب وقلب ‏ثابت، حتى يوم استشهادك‎.‎

كنت في اجتماع مع أعيان القبيلة، تتشاورون في شؤونكم، تديرون أموركم، تحلون مشاكلكم‎.‎

لم تكن مختبئاً، بل كنت في العلن، بين أهلك، تمارس دورك القيادي بكل شجاعة وشفافية.‏

لأنك لم تمت ذليلاً: الموت ذليلاً أن تموت وأنت مهان، أو منكسر، أو مطرود من دارك‎.‎

أما أنت فمتَّ عزيزاً في دارك، بين أهلك، محاطاً بالأحباب والأصحاب‎.‎

متَّ وأنت ناظر قبيلة المجانين، وأنت القائد المحترم، وأنت الرمز الذي يُشار إليه بالبنان، متَّ وكرامتك ‏عالية، وشرفك محفوظ، واسمك مرفوع‎.‎

لأنك متَّ شهيداً‎.‎

والشهادة هي أعلى درجات الموت في الإسلام.‏

لم تكن تحمل سلاحاً، لكنك كنت تحمل موقفاً، وكنت تدافع عن الحق بالكلمة والحكمة. كنت مسالماً ‏تبحث عن الاستقرار والأمن لقبيلتك. فاستُشهدت غدراً، وأنت على هذا الموقف النبيل، فأي شرف ‏أعظم من هذا؟

في الذكرى المئوية لن ننسى الشهداء رفقاء الشهادة الأبرار.‏

من قبل مائة يوم لم ترحل وحدك يا أبا جابر، بل رحل معك واحد وعشرون من خيرة رجال القبيلة‎.‎

رحل معك العمد والمشايخ والأعيان، رحل معك من كانوا سنداً للقبيلة، وعموداً للحكمة، ورمزاً للكرامة.‏

هؤلاء الرجال لم يموتوا، بل استُشهدوا‎.‎

استُشهدوا وهم على موقفهم الثابت، وهم يسعون للسلام، وهم يحافظون على وحدة القبيلة. لم يحملوا ‏سلاحاً، لم يعتدوا على أحد، لم يكونوا في ساحة قتال. كانوا في اجتماع سلمي، يتشاورون في شؤون ‏قبيلتهم، فاغتالهم الغدر بصاروخ جبان أطلقه من لا يملك الشجاعة لمواجهتهم وجهاً لوجه‎.‎

لكن دماءهم لن تذهب هدراً‎.‎

دماؤهم ستبقى شاهدة على جريمة العصر، وستبقى لعنة على من أمر بها ومن نفذها‎.‎

دماؤهم ستبقى وقوداً لجيل جديد يحمل الراية ويواصل المسيرة‎.‎

في الذكرى المئوية لن ننسى أن الناظر لم ينكسر: لثلاث سنوات من الصمود الحكيم.‏

يا أبا جابر، لو أنك انكسرت في لحظة من اللحظات، لو أنك هربت، لو أنك تخاذلت، لو أنك بعت موقفك ‏أو ساومت على كرامتك، لكان الموت عاراً عليك‎.‎

لكنك بقيت ثابتاً كالجبل، شامخاً كالنخلة، صامداً كالحصن المنيع. ثلاث سنوات من الحرب، وأنت في ‏دارك، لا تبرحها، تقود قبيلتك بالحكمة، تُطفئ نيران الفتنة، تمنع أبناءك من الانزلاق في مستنقع الحرب ‏الأهلية‎.‎

كم من مرة حاولوا استفزازك؟ كم من مرة حاولوا جرك إلى الفتنة؟ كم من مرة ضغطوا عليك لتحمل ‏السلاح؟

لكنك بقيت ثابتاً على موقفك، تقول: “لن أورط قبيلتي في حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل. سنبقى ‏مسالمين، نحفظ ديارنا، ندافع عن أنفسنا بالحكمة، لا بالسلاح‎.”‎

وهذا الموقف هو الذي أغاظهم.‏

لأنك رفضت أن تكون جزءاً من لعبتهم القذرة‎.‎

رفضت أن تورط قبيلتك في حرب لا تنتمي إليها‎.‎

رفضت أن تبيع موقفك أو تساوم على كرامتك‎.‎

فاغتالوك غدراً‎.‎

اغتيالك يا أبا جابر لم يكن هزيمة‎.‎

بل كان تتويجاً لحياة مليئة بالمواقف الشريفة‎.‎

في الذكرى المئوية، هنالك عدة دروس مستفادة من هذه الميتة الشريفة‎:‎

الدرس الأول: الثبات على المبدأ.‏

لم تتزحزح يا أبا جابر عن موقفك رغم كل الضغوط

علمتنا أن الرجل الحقيقي لا يبيع مبدأه، ولا يساوم على كرامته، ولا يتنازل عن قناعاته مهما كان الثمن.‏

الدرس الثاني: القيادة بالحكمة لا بالسيف.‏

كنت تقود بالحكمة، بالكلمة، بالموقف الثابت‎.‎

علمتنا أن القوة الحقيقية ليست في السلاح، بل في الحكمة والبصيرة والقدرة على حماية القبيلة دون جرها ‏إلى حروب عبثية‎.‎

الدرس الثالث: البقاء مع القبيلة في المحن.‏

لم تهرب، لم تهاجر، لم تترك قبيلتك. بقيت معهم في أصعب الظروف.‏

علمتنا أن القائد الحقيقي لا يترك قومه في المحن، بل يبقى معهم يتحمل معهم ويواجه معهم‎.‎

الدرس الرابع: الشهادة شرف لا يناله إلا الصادقون.‏

رُزقت الشهادة يا أبا جابر، وهذا شرف عظيم‎.‎

علمتنا أن الموت ليس نهاية، بل بداية حياة أخرى عند الله. وأن الشهيد لا يموت، بل ينتقل إلى حياة ‏أفضل.‏

في الذكرى المئوية: هل هنالك بكاء جديد أم عهد جديد؟

مرور مائة يوم على رحيل الناظر سليمان ليس مجرد رقم في التقويم

بل هو وقت كاف ليدرك الناس أن الغياب صار حقيقة‎.‎

وأن صوت الرجل لن يُسمع في المجالس كما كان‎.‎

وأن خطواته لن تُرى في دروب الدامرة كما اعتادوا‎.‎

لكنه أيضاً وقت يسمح للوجع أن يتحول إلى معنى، وللصدمة أن تتحول إلى عهد.‏

يمكن أن يكون هذا اليوم، يوم بكاء جديد‎.‎

يستعيد فيه الناس لحظة الخبر الأولى وصدمة الفقد‎.‎

ويمكن أن يكون – وهذا الأجمل – يوماً يُجدد فيه أبناء القبيلة والمنطقة عهدهم مع الرجل‎:‎

‎ 🔹أن يحملوا ما كان يحمله من هم الناس.‏

🔹‏ أن‎ ‎يصونوا ما كان يصونه من الشهامة والمروءة‎. ‎

‎ 🔹أن يرفضوا المذلة كما كان يرفضها، وألا يقبلوا لأنفسهم ولأرضهم ولكرامتهم حياة يشوبها ‏الانكسار‎.‎

بهذا، تخرج الذكرى المئوية من ضيق الرثاء إلى سعة الرسالة‎.‎

لن يكون سليمان مجرد فقيد نحزن عليه، بل مدرسة نكمل الدرس فيها من بعده‎.‎

 

بعد مائة يوم، نكتشف أن بعض الرجال لا يموتون، بل ينتقلون من الجسم إلى الذاكرة، ومن الاسم ‏إلى المعنى، ومن الشخص إلى الرمز‎.‎

نقول للناس إن حراسة الكرامة ليست خطاباً بل ثمناً مدفوعاً من الدم‎.‎

وإن بعض الرجال يُحاسبون أمام ضمائرهم قبل أن يُحاسبوا أمام الناس والتاريخ‎.‎

فإن قبلوا لأنفسهم أن يخرجوا من الدنيا صغاراً، خرجوا، وإن أبوا إلا أن يغادروا وهم مرفوعو الرأس، صنع ‏الله لهم من أسباب الميتة ما يليق باختيارهم‎.‎

كان ناظراً حين كان المنصب عبئاً لا امتيازاً.‏

وكان قائداً حين كانت القيادة مخاطرة‎.‎

وكان رجلاً حين كانت الرجولة موقفاً لا شعاراً‎.‎

في الذكرى المئوية للرحيل نُرسلها رسالة إلى الأجيال القادمة:‏

يا أبناء المجانين، يا أهل وعشيرة الناظر سليمان‎:‎

هذا ابنكم الذي لم يمت على فراشه، بل استُشهد واقفاً‎.‎

هذا ابنكم الذي لم يهرب ولم يجبن، بل ثبت حتى آخر لحظة‎.‎

هذا ابنكم الذي اختار السلام فنال الشهادة‎.‎

احفظوا سيرته …‏

ارووها لأبنائكم‎ ‎‏…‏

سجلوها في كتبكم …‏

علموها في مدارسكم‎… ‎

لأنها سيرة رجل عظيم، قائد حكيم، ناظر شجاع، لم ينكسر ولم يتراجع‎.‎

واعلموهم أن دماء ابنكم وصحبه لن تذهب هدراً‎.‎

ستبقى وقوداً للعزيمة، ومنارة للطريق، ودرساً للأجيال‎.‎

ستبقى تذكركم أن الكرامة لا تُباع، وأن الشرف لا يُساوم عليه، وأن الموت بعز خير من الحياة بذل‎.‎

ابنه محمد سليمان جابر جمعة سهل حمل الراية بعده، وسيواصل المسيرة بنفس الحكمة ‏والشجاعة والثبات‎.‎

رحمك الله رحمة واسعة يا ناظر المجانين سليمان جابر جمعة سهل، فقد مضيت في طريق لا يختاره إلا ‏من عرف قدر نفسه وقدر أهله وقدر الأرض التي يمشي عليها.‏

موتك أوجع قلوبنا، لكنه جبر شيئاً في أرواحنا‎.‎

جبر خوفنا من أن تُطفئ هذه الدنيا فينا معنى الرجولة والأنفة‎.‎

وأعاد إلينا اليقين بأن الأرض لا تزال تُنجب رجالاً إذا حضروا غاب الموت، وإذا غابوا شهد لهم الموت ‏بأنهم لم يخذلوا أيامهم‎.‎

في الذكرى المئوية نقول لأهله وأبناء عمومته وقبيلته:‏

لكم أن تبكوه ما شئتم، فالبكاء على الفوارس لا يُعاب.‏

لكن احذروا أن يكون حزنكم خصماً من فخركم‎.‎

اجعلوا الدمع اعترافاً بالوجع، واجعلوا الفخر اعترافاً بالنعمة، أن الله أكرمكم برجل يموت هذه الميتة.‏

فليس كل الناس يُرزق أن يخرج من الدنيا على هيئة تُكمل سيرته، وتُغلق قوس حياته على عز لا على ‏انكسار‎.‎

نم قرير العين يا أبا جابر، فقد أنصفك الموت‎.‎

لم تمت ميتة عادية‎.‎

بل استُشهدت، شهادة تُسجل في سجل الخالدين‎.‎

نم قرير العين، فإن قبيلتك لن تنساك‎.‎

سنحمل اسمك في قلوبنا، وسنعلم أبناءنا سيرتك، وسنواصل المسيرة على خطاك‎.‎

نم قرير العين، فإن الراية لن تسقط‎.‎

نم قرير العين، فإن دماءك لن تذهب هدراً، سنواصل النضال حتى يتحقق العدل، وحتى تُحاسب كل ‏يد امتدت إليك بالغدر‎.‎

اللهم ارحم الناظر سليمان جابر جمعة سهل، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجمعنا به في ‏الفردوس الأعلى‎.‎

اللهم ارحم جميع شهداء المجانين، واجعلهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن ‏أولئك رفيقاً‎.‎

اللهم اشفِ جرحى المجانين، وألهم أهلهم الصبر والسلوان‎.‎

اللهم انصر قبيلة المجانين، واحفظ أرضهم، واجمع كلمتهم، وثبت أقدامهم.‏

اللهم اجعل دماء شهدائنا نوراً يُضيء طريقنا، ووقوداً يُشعل عزيمتنا، وسبباً في تحقيق العدل والقصاص‎.‎

آمين، آمين، آمين يا رب العالمين‎.‎

‎أخوك المكلوم، والمفتخر في آن واحد: عادل ود سهل

‏

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!