عندما تتحول «السيادة» إلى ذريعة للحرب: قراءة في مراوغة البرهان وخطاب الجيش المؤدلج
التنوير متابعات

التنوير متابعات
أثارت التصريحات الأخيرة لرئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية، لا سيما تلك التي شدد فيها على أن أمن السودان وسيادته “خط أحمر”، ورفضه ما وصفه بتحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، إلى جانب طرحه شروطًا صارمة لوقف إطلاق النار، اعتبرها مراقبون غير واقعية وتفتقر إلى الأساس الموضوعي.
ويرى مراقبون أن الخطاب الذي قدّمه البرهان، سواء في حديثه عن “السيادة” أو عن شروط إنهاء الحرب، يعكس مراوغة سياسية واضحة أكثر مما يعكس إرادة حقيقية لإنهاء الصراع، مشيرين إلى أن مركز القرار الفعلي لا يزال مرتبطًا ببنية أيديولوجية داخل المؤسسة العسكرية، تتمثل في نفوذ الحركة الإسلاموية التي ظلت متغلغلة في مفاصل الجيش منذ عقود.
وبحسب محللين، فإن حديث البرهان عن رفض “السيادة الموازية” يتجاهل حقيقة أن الانقلاب العسكري الذي أطاح بالمسار الانتقالي شكّل في حد ذاته انتهاكًا مباشرًا لسيادة الشعب، وأعاد إنتاج سلطة غير مفوضة، ما أفضى لاحقًا إلى انفجار الحرب الحالية. ويؤكد هؤلاء أن السيادة التي يتحدث عنها قائد الجيش لا تعبّر عن الإرادة الشعبية، بقدر ما تمثل رؤية تيارات أيديولوجية فقدت مشروعيتها السياسية بعد الثورة، وتسعى للعودة إلى الحكم عبر السلاح.
وفيما شدد البرهان على أن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يكون مشروطًا بانسحاب قوات الدعم السريع وتسليم سلاحها، اعتبر مراقبون هذه الشروط تعجيزية وغير قابلة للتنفيذ في السياق الراهن، إذ لا تستند إلى توازنات القوة على الأرض ولا إلى منطق التسويات السياسية المعروفة في النزاعات المسلحة. وأضافوا أن طرح مثل هذه الشروط يعكس تنصلًا واضحًا من المبادرات الإقليمية والدولية المطروحة، ومنها المبادرة الرباعية، ويؤشر إلى غياب الرغبة الجادة في وقف الحرب.
ويرى محللون أن الجيش، في وضعه الحالي، لم يعد يُنظر إليه كمؤسسة قومية محايدة، بل كجهاز مؤدلج ومختطف سياسيًا، وهو توصيف لم يأتِ من فراغ، بل عبّرت عنه قطاعات واسعة من الشارع السوداني خلال الثورة بشعار “الجيش جيش الكيزان”. ويشير هؤلاء إلى أن سجل المؤسسة العسكرية في النزاعات الداخلية، وما ارتبط به من انتهاكات واسعة ضد المدنيين، يقوّض أي ادعاء بالحياد أو الوصاية على مستقبل الدولة.
وفي هذا السياق، يعتقد مراقبون أن الحديث عن تسليم قوات الدعم السريع لسلاحها في ظل استمرار هيمنة التيار الإسلاموي على القرار العسكري يبدو حديثًا مثاليًا منفصلًا عن الواقع، خاصة في ظل انعدام الثقة التاريخي بين الأطراف، واستمرار خطاب الإقصاء وشيطنة الخصوم.
ويخلص متابعون إلى أن تصريحات البرهان الأخيرة لا تشكّل خارطة طريق للسلام، بقدر ما تعكس إصرارًا على إدارة الحرب سياسيًا وأيديولوجيًا، تحت لافتة “السيادة”، بينما تتواصل معاناة المدنيين، ويتعمق الانقسام الوطني، في ظل غياب مشروع وطني جامع يعالج جذور الأزمة ويُنهي هيمنة السلاح والأيديولوجيا على الدولة.




