
علي سانتينو
أن تُدار السياسة الإقليمية بعقلية المؤامرة ليس غريباً، لكن الغريب والصادم أن يتحول الخراب المخطط إلى لعنةٍ تعود على صانعيها. ما جرى ويجري في السودان لم يكن حرباً أهلية، هو كان حلقة متقدمة في مشروع إقليمي تقوده المنظومة المصرية ويهدف إلى تكسير السودان الكبير وابتلاعه سياسياً واقتصادياً، ابتلاعه عبر تمكين العسكر والإسلاميين ومنع أي أفق لانتقال مدني ديمقراطي حقيقي. لكن المشهد الأخير مع انتشار فيديو يوثق نفوقاً هائلاً لملايين الأسماك والفئران على النيل فتح الباب لسؤال مرعب: هل السم الذي صُنع خصيصا للسودان بدأ يتسرب إلى شرايين هبة النيل نفسها؟
الفيديو الذي نشره مواطن بسيط يبدو مزارعاً وليس ناشط سياسي، لا يمكن تجاهلة او التعامل معه بوصفه مادة للتشكيك، فالحديث عن تلوث حاد وكارثة بيئية في نهر يُعد شريان حياة لملايين البشر يعد خطرا كبيراً، والأخطر أن هذا التلوث يأتي في سياق حرب استخدمت فيها أسلحة محرمة ومواد كيماوية، دخلت إلى كتائب الإسلامويين وجيش البرهان عبر قنوات استخباراتية معروفة ظلت تعمل لسنوات على تخريب المصانع والمنشآت الحيوية في الخرطوم، وتجريف أي قاعدة إنتاجية يمكن أن تشكل سنداً لدولة سودانية مستقلة القرار !
ان الحرب في السودان لم تكن فقط حرب مدافع، بل كانت حرب بيئة وحياة. آثارها بدأت تظهر على البشر والحيوانات في أمراض غامضة وموت جماعي، وتغيرات غير طبيعية في التربة والمياه. فالمعلومات تشير إلى أن الطيران المصري لم يكن مجرد داعم لوجستي، بل كان شريكاً مباشراً في استراتيجية الارض المحروقة، مع تركيز واضح على تدمير العاصمة الخرطوم وإقليم دارفور الغني بالموارد، بهدف إضعاف القوى الاقتصادية وإهلاك مصادر الإنتاج، ودفع البلاد إلى فوضى دائمة يسهل التحكم عليها من الخارج !
تبقى المفارقة القاسية أن هذا النهج القائم على الاستخفاف بالجغرافيا والبيئة لا يعترف بالحدود. فالمواد الكيماوية التي ارسلتها القاهرة الى البرهان لا تتوقف عند خطوط سياسية، والمياه الملوثة لا تعرف خطاب الأمن القومي، وإذا صحّ أن استخدام هذه الأسلحة أثر على مياه النيل فإن المنظومة التي تعاملت مع السودان كساحة اختبار لقوها العسكرية تكون قد لوثت النهر الذي تعتبره هبة إلهية وشرط وجودهاج التاريخي. هاهنا يتحول الغرور السياسي والقوة العسكرية إلى انتحار بطيء.
تاريخياً لم تتردد القاهرة في دعم وتمكين الأنظمة الدكتاتورية والعسكرية في الخرطوم، ليس حباً في الاستقرار ولكن حرصاً على نهب الموارد وافقار اهل السودان جنوبا وشمالاً، وضمان تبعية القرار السوداني لها، وكذلك قطع الطريق أمام أي قوى مدنية ديمقراطية قد يعيد بها الشعب السوداني تعريف العلاقة بين الدولتين على أساس الندية والمصالح المتوازنة. اليوم، وقد وصل التدخل الفرعوني إلى حد الضرب الجوي وتدمير المدن، يبدو أن المشروع المصري بلغ ذروته وبدأ انهياره في اللحظة نفسها !
فالسودان يدفع ثمناً فادحاً، لكن الرسالة الأوضح هي أن من يزرع الخراب بلا حساب سيحصده ولو بعد حين. النيل الذي حاولوا تحويله إلى أداة ابتزاز وسيطرة قد يكون الشاهد الأقسى على اخلاق المنظومة المصرية وفشلها وتحطمها.




