رأي

العنف الرقمي ضد النساء كارثة جديدة

مها طبيق

 

 مها طبيق 

تتعرض الناشطات النسويات في الفضاء الرقمي لظاهرة يجب الوقوف عندها ، حيث أصبحت هذه الظاهرة ممارسة سياسية محسوبة تُدار بمنطق انتقائي صارم وممنهج . وما تتعرض له الناشطة النسوية والسياسية تسنيم جالس ليس حالة استثنائية ، وإنما نموذج كاشف لكيفية إدارة الإقصاء في المجال العام السوداني—والعربي عمومًا .

المفارقة اللافتة أن الهجوم لا يطال جميع النساء الناشطات ، فبعضهن لا يتعرضن لشيء يُذكر . هذا التفاوت في الاستهداف الانتقائي للشخصية يحسب بمنطق الجدوى السياسية ، حيث يُستهدف من يُشكّل حضورها تهديدًا فعليًا للسرديات المهيمنة وشبكات المصالح ، بينما تُترك الأصوات غير المؤثرة—أو المتماهية مع الخط العام—خارج دائرة النار .

يؤدي العنف الرقمي هنا وظيفة ضبط المجال العام ويحدد من يحق له الكلام ، ويرسم سقف المشاركة بشأن الوطن ، مما يرفع الكلفة النفسية والاجتماعية لأي امرأة تفكر في تجاوز الخطوط غير المعلنة ،هنا يُحوَّل النقاش من الأفكار والسياسات إلى الجسد والسمعة في عملية مباشرة الي اغتيال الشخصية بهدف نزع الشرعية قبل إسكات الصوت .

يكشف هذا النمط من الاستهداف نوعا من الاانقسام الخطير حيث هناك نسوية مُعاقَبة لأنها مستقلة ، ناقدة ، ومؤثرة . وأخرى مُدجَّنة يُسمح لها بالحضور ما دامت لا تُربك التوازنات . وهذا يدل الي توزيع أدوار قسري يخدم البنية الذكورية السياسية أكثر مما يخدم قضايا النساء . ويقودنا هذا التصنيف الي التوصيف القانوني والحقوقي الواضح وهو العنف القائم على النوع الاجتماعي في الفضاء الرقمي ،

والتحريض على الكراهية والتمييز ، والتشهير المنهجي واغتيال السمعة .

أما على مستوى الحوكمة العامة ، فالتسامح مع هذا العنف يعني القبول بإقصاء نصف المجتمع من المجال السياسي وتقنيين للعنصرية والجهوية داخل الوطن الواحد مما يخدم أجندة التفتيت والاستمرار في الحروب ، وإهدار رأس مال بشري وفكري لا غنى عنه لأي تحول ديمقراطي جاد .

غياب الهجوم عن بعض النساء يعني غالبًا ما يكون مؤشرًا على غياب التأثير . أما الاستهداف ، فهو اعتراف ضمني بالوزن السياسي . لذلك يأتي الرد الفعّال ليس بالانسحاب أو التبرير وإنما بتحويل العنف إلى عبء على مُحرِّضيه عبر التوثيق ، والتضامن المهني ، وإعادة تأطير المعركة بوصفها صراعًا على الحق في المشاركة لا على السمعة . هذه ليست معركة تسنيم جالس وحدها ، وإنما معركة المجتمع الذي يقود اختبار صريح لمدى قبول النساء كفاعلات سياسيات كاملات ، لا كأصوات مؤقتة قابلة للإسكات .

 

مها الهادي طبيق

25 يناير 2026

mahatebig@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!