رأي

حين حمل السودانيون الوطن في حقائبهم‎

بقلم: دكتور عادل سهل‎

 

‏بين المأساة… وصناعة الأمل.

‏‏من الاغتراب الاختياري، إلى النزوح القسري‎…‎‏

في المطارات، لا تبدو حقائب السودانيين متشابهة، غير أن شيئاً واحداً يجمع بينها‎…‎‏ ‏أنها تحمل من الذكريات والأوجاع ما لا تقيسه موازين المطارات‎.‎‏

ولم تكن تلك الحقائب تحمل الملابس وحدها.‏

حملت معها‎…‎

صور آباءٍ رحلوا وهم بعيدون‎.‎

وذكريات البيوت‎.‎

ومفاتيح منازل قد تكون سويت بالأرض، وقد لا يعود أصحابها إليها مرة أخرى‎.‎

ورسائل قديمة‎.‎

وشهادات جامعية‎.‎

وأسماء قرى لا يعرفها أحد خارج السودان‎.‎

وأحلاماً مؤجلة‎.‎

وقلوباً لم تكن ترغب في الرحيل‎.‎

وحملت شيئاً لا يُرى‎…‎

‏فقد حملت هذه الحقائب وطناً كاملاً، في حقائب صغيرة… ضاق بأبنائه، ولم يضق بهم ‏حبهم له‎.‎‏

لكن السودانيين لم يغادروا وطنهم لأنهم أحبوا الغربة‎.‎‏

‏فمنهم من خرج يوماً يحمل خبرته، ليشارك في بناء أوطانٍ أخرى، ثم يعود إلى وطنه محمّلاً ‏بالتجربة والحنين‎.‎‏

ومنهم من غادر لاحقاً بحثاً عن فرصة حياةٍ أفضل، وهو يعلّق على باب قلبه حلم العودة‎.‎‏

ثم جاءت الحرب‎…‎‏

‏فصار كثيرون يرحلون، لا لأن الغربة كانت خيارهم، بل لأن البقاء نفسه أصبح معركةً ‏يومية، وأصبح الرحيل، في نظرهم، أقل قسوةً من الانتظار‎.‎‏

حين كان السوداني يُستدعى… ولا يُهاجر: كان موظف الجوازات في مطار الخرطوم يبتسم وهو يختم جواز السفر‎.‎

وكانت الأم تمسح دمعتها بطرف ثوبها، ثم تقول وهي تحاول أن تبدو مطمئنة‎:

لا تطوّل الغيبة يا ولدي

‎وكان الابن يبتسم بثقة، ويجيبها بالجملة التي حفظها السودانيون جيلاً بعد جيل‎:

“سأعود قريباً… إنها سنوات قليلة فقط.”

‎لم يكن أحد يومها يشعر أنه يغادر وطنه‎.‎

كان الجميع يعتقد أن الرحيل محطة، وأن العودة هي الموعد الحقيقي‎.‎

كانت الطائرة تقلع‎…‎

‏ويبقى السودان في القلب، كما بقي دائماً‎.‎‏

لم يكن السوداني في سبعينيات القرن الماضي يطرق أبواب العالم باحثاً عن فرصة ‏عمل‎.‎‏ بل كانت الفرص هي التي تبحث عنه‎.‎‏

وكان الطبيب السوداني اسماً يبعث على الثقة أينما حل‎.‎‏

وكان المعلم السوداني عنواناً للعلم والانضباط‎.‎‏ وكان المهندس، والقاضي، والضابط الإداري، والصحفي، والمحاسب، والأستاذ الجامعي، ‏يحملون معهم سمعةً صنعتها سنوات طويلة من التعليم الرصين، والخبرة، والاستقامة ‏المهنية والأمانة.

لم تكن تلك السمعة تُمنح بالمجاملة‎…‎‏ بل كانت تُكتسب بالعمل‎.‎‏‏

‏ولهذا لم يكن غريباً أن تستعين دول الخليج، وليبيا، واليمن، وغيرها من الدول العربية، ‏بآلاف الكفاءات السودانية في مراحل تأسيس مؤسساتها الحديثة، وأن تسند إليهم ‏مسؤوليات كبيرة في التعليم، والإدارة، والقضاء، والهندسة، والطب، والبلديات، وسائر أجهزة ‏الدولة‎.‎‏

لم يكن السوداني يذهب ليبحث عن مكان بين الناس‎…‎‏ بل كان يذهب لأن مكانه كان ينتظره‎.‎‏ وكان السودان، في تلك السنوات، ينظر إلى الاغتراب نظرةً مختلفة تماماً‎.‎‏

لم يكن الرحيل هروباً من وطن ضاق بأبنائه‎.‎‏ بل كان امتداداً طبيعياً لدور ظل السوداني يؤديه أينما حل‎

كان يغادر وهو يعلم أن خلفه بيتاً ينتظره‎.‎

وأرضاً يعرفها‎.‎

وأهلاً يحصون الأيام حتى يعود‎.‎

ولذلك بقيت كلمة “العودة” جزءاً من عقد السفر، حتى وإن لم تُكتب في أوراقه‎.‎‏

ولم يكن ذلك الشعور وليد الحنين وحده، بل كانت له أرضٌ يقف عليها‎

‏فقد كان السودان يومها يرسل أبناءه لأن العالم كان يطلب خبرتهم، لا لأنه عجز عن ‏احتوائهم‎.‎‏

وكان الاقتصاد السوداني يعكس صورةً تختلف كثيراً عما عرفته الأجيال اللاحقة‎.‎‏

ففي مطلع سبعينيات القرن الماضي بلغ الجنيه السوداني، وفق سعر الصرف الرسمي ‏الثابت آنذاك، قيمةً ثلاث دولارات أمريكية، في واحدة من أقوى مراحل العملة الوطنية ‏في أفريقيا والمنطقة عامة.

ولم تكن قوة الجنيه مجرد رقم في دفاتر المصارف، بل كانت انعكاساً لدولة تمتلك اقتصاداً ‏مستقراً، وجهازاً إدارياً وتعليمياً جعل أبناءها مطلوبين في أنحاء المنطقة، قبل أن يصبحوا، ‏بعد عقود، يبحثون هم أنفسهم عن فرصة عمل أو ملاذ آمن‎.

ولهذا كان السوداني يحمل جواز سفره وهو يعرف قيمة نفسه‎…‎‏

‏وقيمة ما تعلمه‎…‎‏

‏وقيمة الوطن الذي جاء منه‎.‎‏

وحين بدأت النهضة العمرانية والإدارية في عدد من دول الخليج، لم تكن أسماء السودانيين ‏مجرد أسماء في كشوفات الموظفين، بل أصبحت جزءاً من قصة البناء نفسها‎.‎‏

ولم يكن حضورهم حضور عمالة تبحث عن رزق، بل حضور خبرات استُدعيت للمشاركة ‏في تأسيس مؤسسات الدولة الحديثة‎.‎‏

في الإمارات، أسهمت كفاءات سودانية منذ البدايات، في التخطيط والإدارة والعمل البلدي؛ ‏فكان المهندس كمال حمزة من أبرز من قادوا العمل التنفيذي في بلدية دبي لعقود طويلة، ‏وكان المهندس السني بانقا من أوائل من تولوا إدارة بلدية أبو ظبي، ثم جاء الأستاذ أحمد ‏عوض الكريم ليواصل الإسهام في تطوير جهازها الإداري ومرافقها‎.‎‏

وتبقى العبارة المنسوبة إلى الشيخ زايد:‏‎ ” ‎أبغي دبي تصير مثل الخرطوم‎”‎، بما تحمله من ‏دلالة رمزية، جزءاً من الذاكرة المتداولة التي تعبّر – مهما اختلفت الروايات حول ألفاظها ‏الدقيقة – عن المكانة التي كانت تحظى بها الخبرة السودانية في تلك المرحلة، وعن الإعجاب ‏الذي تركته الخرطوم، يوم كانت إحدى أكثر مدن المنطقة تنظيماً وتخطيطاً‎.‎‏‏

ولم تكن هذه النماذج سوى جزء من جيل كامل من السودانيين الذين شاركوا في بناء ‏المدارس، والجامعات، والمستشفيات، والمحاكم، والوزارات، والبلديات، وشركات الهندسة، ‏ووسائل الإعلام، في السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت، والبحرين، وسلطنة عُمان، ‏واليمن، وليبيا، وغيرها‎.‎‏‏

كانوا يبنون أوطاناً أخرى‎…‎‏

لكنهم لم يتوقفوا يوماً عن حمل وطنهم معهم‎.‎‏

وكان السودانيون يسافرون يومها لأن العالم كان يحتاج إليهم‎…‎‏ لا لأنهم كانوا يحتاجون إلى ‏العالم‎.‎‏

ولعل أجمل ما ميّز ذلك الجيل أنه لم يكن يعد سنوات الغربة أعماراً ضائعة‎.‎‏

كان يعدها استثماراً في العودة‎.‎

كان يبني بيتاً، حجراً فوق حجر‎.‎

ويشتري قطعة أرض‎.‎

ويزرع نخلة‎.‎

ويرسل حوالة شهرية‎.‎

ويؤجل كثيراً من رغباته الشخصية، لأنه كان يرى مستقبله الحقيقي هناك‎…‎

‏في السودان‎.‎‏

ولذلك لم تكن البيوت التي شُيدت في المدن والقرى مجرد مبانٍ من الطوب والأسمنت‎.‎

كانت رسائل حب طويلة، كتبها المغتربون إلى وطنهم بلغة الصبر والعمل‎

لكن الزمن لا يبقى على هيئة واحدة‎.‎‏

فالحقائب التي كانت تحمل يوماً عقد عمل، وبعض الثياب، وصور الأسرة، وعنوان ‏البيت‎…‎‏

ستحمل بعد عقود أشياء مختلفة تماماً‎.‎

وحين تغيّر معنى الرحيل‎…‎

تغيّر معه كل شيء‎.‎

ولم يعد السفر بداية طريق العودة‎…‎

‏بل صار، عند كثيرين، بداية حكاية أخرى‎.‎‏

حين أصبحت الغربة مشروع عمر:

في كل إجازة‎…‎

كانت الحقائب تعود ممتلئة بالهدايا‎.‎

وتغادر ممتلئة بالدعوات‎.‎

كان الأطفال ينتظرون حقائب آبائهم أكثر مما ينتظرون آباءهم‎.‎

ففي داخل تلك الحقائب كانت تختبئ ألعاب صغيرة، وساعات يد، وعطور، وقطع ‏شوكولاتة، وأقمشة جديدة للأعياد، ورسائل محبة حملتها المسافات قبل أن تحملها ‏الطائرات‎.‎‏

وكانت البيوت السودانية تعرف موعد الإجازات قبل أن تعرفه المطارات‎.‎‏

‏فالفرحة تبدأ قبل أسابيع، والعد التنازلي يبدأ منذ أن تصل رسالة قصيرة تقول‎:‎‏ موعد الوصول يوم الخميس”

‎ومع مرور السنوات‎…‎‏

لم تعد الغربة رحلة قصيرة كما وعد أصحابها في بداياتها‎.‎

صارت تمتد عاماً بعد عام‎.‎

ثم عقداً بعد عقد‎.‎

حتى اكتشف كثير من السودانيين أن أعمارهم تمضي بين إجازة وأخرى‎.‎

كانوا يظنون أنهم يؤجلون العودة قليلاً‎…‎

لكن الحياة كانت تؤجلها أكثر‎.‎

وفي الثمانينيات، ثم التسعينيات، تغيّر معنى السفر مرة أخرى‎.‎‏

لم يعد مجرد مشاركة في بناء مؤسسات الآخرين‎.‎

بل أصبح مشروعاً لبناء المستقبل‎.‎

كان المغترب يحسب راتبه بالأشهر‎…‎

ويحسب أحلامه بالسنوات‎.‎

قطعة أرض‎.‎

ثم بناء منزل‎.‎

ثم تعليم الأبناء‎.‎

ثم تزويج الإخوة‎.‎

ثم إعالة الوالدين‎.‎

ثم مسؤوليات لا تنتهي‎.‎

وكان كل إنجاز يتحقق هناك‎…‎

‏يرتبط بحلم صغير ينتظر صاحبه هنا‎.‎‏

كبرت المدن السودانية بأموال المغتربين‎.‎‏

وفي أحياء كثيرة، كانت البيوت الجديدة تُعرف باسم صاحبها الغائب‎.‎

‏فيقال‎:‎‏ ‏‎”‎هذا بيت فلان القادم من السعودية‎.”‎‏

‏أو‎:‎‏ ‏‎”‎ذلك منزل المهندس الذي يعمل في الإمارات‎.”‎‏

‏أو‎:‎‏ ‏‎”‎هنا يبني الطبيب العائد من قطر‎.”‎‏‏

كانت الحجارة تُرفع في صمت‎…‎‏

لكنها كانت تنطق بقصة عمرٍ كامل من الصبر‎.‎

ولم تكن الحوالات المالية مجرد أرقام تدخل البنوك‎.‎

‏بل كانت شرياناً امتد بين المغترب وأسرته، يحمل مصروف المدارس، وعلاج المرضى، ‏ونفقات الجامعات، ومصاريف الزواج، وأحياناً قوت شهر كامل‎.‎‏

لكن الغربة، وهي تمنح الإنسان فرصة البناء، كانت تأخذ منه أشياء لا تُشترى‎.‎‏

‏فاتته موائد الجمعة‎.‎‏

‏وأعياد كثيرة‎.‎‏

‏وجنازات أحبّة لم يستطع وداعهم‎.‎‏

‏وأفراح أبناءٍ لم يشهدوا طفولتهم كاملة‎.‎‏

‏وكبر الأبناء، بينما ظل الآباء يطاردون موعد العودة‎.‎‏

‏وكانت السنوات تمرّ أسرع من كل الخطط‎.‎‏

وهنا بدأت المفارقة الكبرى‎

فالبيت الذي بُني ليكون خاتمة الغربة‎…‎‏ صار سبباً في إطالتها‎.‎

كلما اقترب موعد العودة، ظهرت مسؤولية جديدة‎.‎

جامعة‎.‎

زواج‎.‎

قرض‎.‎

التزام آخر‎.‎

فيؤجل المغترب قراره مرةً أخرى، وهو يقول لنفسه‎:‎‏ ‏‎”‎سنة واحدة فقط… ثم أعود‎.”‎

‏لكن تلك السنة كانت كثيراً ما تتحول إلى سنوات‎.‎‏

ومع مرور الزمن، لم تعد الغربة تغير مكان السكن فقط‎.‎‏

بل بدأت تغيّر شكل الحياة نفسها‎.‎

الأطفال الذين غادروا صغاراً‎…‎

لم يعودوا يرون السودان بالعين التي كان يراه بها آباؤهم‎.‎

كبروا بين مدارس مختلفة‎.‎

ولهجات مختلفة‎.‎

وأصدقاء مختلفين‎.‎

وأصبح سؤال العودة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى‎.‎

ولم يعد الأب وحده هو الذي يقرر‎.‎

بل صار المستقبل نفسه يطرح أسئلته الصعبة‎.‎

 

‏*كان السودانيون ما يزالون يحملون وطنهم في حقائبهم‎…‎‏*‏

لكن الحقائب أصبحت أثقل‎.‎

لا لأنها امتلأت بالأشياء‎…‎

بل لأنها امتلأت بالسنوات‎.‎

 

‏*وهكذا‎…‎‏*‏

بينما كان المغترب القديم ما يزال يؤجل العودة عاماً بعد عام‎…‎

‏*كان جيل جديد يولد بعيداً عن السودان، ويكبر وهو يعرف الوطن من حكايات الآباء، ‏وصور الألبومات، ومكالمات الأعياد‎.‎‏*‏

 

‏*حين كبر الأبناء… وصغرت فكرة العودة:*‏

في مساءات كثيرة‎…‎

‏*كان الأب يجلس في شرفة المنزل، يتحدث بحماس عن السودان‎.‎‏*‏

يحكي عن النيل‎.‎

وعن المدرسة الأولى‎.‎

وعن سوق المدينة‎.‎

وعن شجرة النيم التي كانت تظلّل باب البيت‎.‎

وكان الأبناء ينصتون باهتمام‎…‎

لكنهم كانوا يعرفون تلك الأماكن كما تُعرف المدن في الروايات‎.‎

يسمعون عنها‎…‎

ولا يعيشونها‎.‎

ومع مرور الأعوام‎…‎

كبر الأبناء‎.‎

لكن السودان ظل في أعين كثيرٍ منهم، مكاناً يزورونه في الإجازات، لا وطناً عاشوا تفاصيله ‏اليومية‎.‎

كانت طفولتهم في مدارس أخرى‎.‎

ولغتهم اليومية تمتزج بلهجات البلدان التي نشأوا فيها‎.‎

وأصدقاؤهم هناك‎.‎

وأحلامهم هناك‎.‎

ومستقبلهم أيضاً‎.‎

 

‏*أما الآباء‎…‎‏*‏

فلم يتغير شيء في داخلهم‎.‎

ظل السودان بالنسبة إليهم بداية الحكاية ونهايتها‎.‎

وكانوا يؤجلون العودة عاماً بعد عام، وهم يعتقدون أن أبناءهم يحملون الحلم نفسه‎.‎

لكن الزمن كان يكتب حكاية مختلفة‎.‎

 

‏*جاء اليوم الذي سأل فيه بعض الآباء أبناءهم‎:‎‏*‏

*”ما رأيكم أن نعود نهائياً إلى السودان؟”*

ولم يكن الصمت الذي أعقب السؤال صمت اعتراض‎…‎

بل صمت حيرة‎.‎

فالوطن الذي يسكن ذاكرة الأب‎…‎

‏*كان بالنسبة للابن صورةً جميلة، لكنه ليس المكان الذي تكوّنت فيه حياته‎.‎‏*‏

هناك جامعته‎.‎

وهناك عمله‎.‎

وهناك أصدقاؤه‎.‎

وهناك أول أحلامه‎.‎

 

‏*وهكذا‎…‎‏*‏

لم تعد العودة قراراً فردياً‎.‎

‏*بل أصبحت معادلةً معقدة، تتداخل فيها الأسرة، والتعليم، والعمل، ومستقبل الأبناء‎.‎‏*‏

وللمرة الأولى، اكتشف كثير من المغتربين أن الغربة التي بدأوها وحدهم‎…‎

أصبحت حياةً كاملة لغيرهم‎.‎

ولم يكن هذا التحول خسارةً لأحد‎.‎

ولم يكن انتصاراً لأحد‎.‎

‏*بل كان ذلك قانون الزمن‎.‎‏*‏

‏*فالطفل الذي وُلد بعيداً عن السودان، لا يستطيع أن يتذكر شوارع لم يمشِ فيها‎.‎‏*‏

‏*ولا أن يشتاق إلى بيت لم يعش فيه‎.‎‏*‏

‏*ولا أن يحنّ إلى صباحات لم يعرفها‎*.‎

 

‏*أما الأب‎…‎‏*‏

فكان يحمل وطنه في ذاكرته كل يوم‎.‎

وكان يندهش، في كل مرة، عندما يكتشف أن أبناءه يحملونه في قصصه فقط‎.‎

 

‏*ورغم ذلك‎…‎‏*‏

‏*حدث شيء جميل‎.‎‏*‏

ظل السودان حاضراً داخل البيوت‎.‎

‏*في رائحة القهوة‎.‎‏*‏

‏*وفي الكسرة التي تصر الأمهات على إعدادها‎.‎‏*‏

‏*وفي الأغاني القديمة‎.‎‏*‏

‏*وفي مكالمات الأعياد‎.‎‏*‏

‏*وفي الدعوات التي تبدأ دائماً بـ‎:‎‏ ‏‎”‎الله يرد الغربة‎.”‎‏*‏

كان الوطن يتراجع على الخرائط‎…‎

‏*لكنه كان يتقدم داخل الذاكرة‎*.‎

 

‏*ولعل أجمل ما في الإنسان السوداني أنه لم يورّث أبناءه الخوف من الوطن‎…‎‏*‏

‏*بل ورّثهم محبته‎.‎‏*‏

حتى الذين لم يعيشوا فيه، كانوا يعرفون أسماء مدنه، ويحفظون لهجته، ويبتسمون كلما ‏سمعوا أغنيةً سودانية أو التقوا سودانياً لا يعرفونه‎.‎

لقد نجح الآباء في أن ينقلوا لأبنائهم شيئاً أكبر من المكان‎…‎

نقلوا إليهم الإحساس بالانتماء‎.‎

 

‏*وفي إحدى الأمسيات‎…‎‏*‏

‏*قال أبٌ سوداني لابنته وهو يحدثها عن الوطن‎:‎‏*‏

*”يوماً ما… سنعود”*

‎‏

‏*ابتسمت ابنته، ثم سألته في هدوء‎:‎‏ ‏‎”‎نعود إلى أين يا أبي؟‎*”‎

‏*قال‎:‎‏ ‏‎”‎إلى السودان‎.”‎‏*‏

‏*فسكتت قليلاً، ثم قالت‎:‎‏ ‏‎”‎لكن… كيف ولماذا نعود؟‎”‎‏*‏

‏*أنا‎…‎‏*‏

‏*لا أشعر بأني في غربة، فأنا أصلاً لم أغادر شيئاً‎.‎‏*‏

‏*أنا وُلدت هنا‎…‎‏*‏

‏*ودرست هنا‎…‎‏*‏

‏*وأصدقائي هنا‎*…‎

‏*وهذا هو الوطن الوحيد الذي عرفته‎.*‎

 

‏*يقول الأب‎*…‎

‏*وجمت طويلا ولم أجد جواباً‎*.‎

‏*حينها أدرك، للمرة الأولى، أن الغربة التي عاشها عمره كله‎…‎‏*‏

‏*لم تعد غربة أبنائه، فقد كانت غربة روحه وجسده‎.‎‏*‏

 

‏*لكن الزمن، الذي كان ينسج هذه الحكايات بهدوء، كان يخبئ مفاجأة لم تخطر على بال ‏أحد‎*.‎

‏*فبينما كان المغترب القديم يناقش أبناءه في موعد العودة‎…‎‏*‏

 

‏*كانت الحرب تقترب من الوطن‎.‎‏*‏

وفي لحظة واحدة‎…‎

تغيّر السؤال كله‎.‎

لم يعد السؤال‎:‎‏ ‏‎”‎متى نعود؟‎”‎

بل أصبح‎:‎‏ ‏‎”‎هل نستطيع أن نعود؟‎”‎

وهنا‎…‎

تنقلب الحكاية كلها‎.‎

ويبدأ الوضع الأكثر وجعاً وألماً‎…‎

 

‏*حين أصبح الوطن نفسه يغادر أبناءه:*‏

‏*ثم جاءت الحرب، ولم يخرج الناس من الوطن… بل خرج الوطن معهم‎.‎‏*‏

هذه المرة‎…‎

لم يكن أحد يودع المسافرين في المطارات‎.‎

بل كان الجميع يهربون منها‎.‎

لم تعد صالات المغادرة تمتلئ بالورود والابتسامات‎.‎

ولم يعد المسافر يَعِد أمه بأنه سيعود بعد عامين‎.‎

ولم يعد الأب يوصي أبناءه بالاجتهاد حتى يعود إليهم محملاً بالهدايا‎.‎

هذه المرة‎…‎‏ كان كل شيء مختلفاً‎.‎

 

‏*في صباحٍ واحد‎*…‎

‏*استيقظ السودانيون على حرب‎.‎‏*‏

واستيقظ معها ملايين السودانيين على سؤال لم يعرفوه من قبل‎:‎‏ ‏

‏*إلى أين نذهب؟*‏

لم يعد السؤال عن الراتب‎.‎

ولا عن عقد العمل‎.‎

ولا عن الجامعة‎.‎

ولا عن تحسين مستوى المعيشة‎.‎

بل أصبح السؤال أكثر بساطة‎…‎

وأكثر قسوة‎.‎

‏*أين نجد مكاناً آمناً لنعيش؟*‏

 

‏*ومنذ ذلك اليوم‎*…‎

‏*لم تعد الغربة تبدأ عند بوابة المطار‎.‎‏*‏

‏*بل بدأت عند باب المنزل‎.‎‏*‏

‏*حين خرجت أسرٌ كثيرة وهي تظن أنها ستعود بعد أيام‎.‎‏*‏

‏*فأغلقت الأبواب خلفها دون أن تدري أنها ربما لن تراها مرةً أخرى‎.‎‏*‏

ترك الناس وراءهم الأثاث‎…‎

والصور‎…‎

والكتب‎…‎

وشهادات الميلاد‎…‎

وألعاب الأطفال‎…‎

وأشجار الليمون التي غرسوها بأيديهم‎.‎

تركوا أشياء لا تُشترى بالمال‎…‎

لأن الإنسان، حين يهرب من الموت، لا يحمل إلا ما يستطيع حمله‎.‎

أما العمر كله‎…‎

فقد بقي هناك‎.‎

 

‏*ولأول مرة في تاريخ الاغتراب السوداني‎…‎‏*‏

‏*خرج الطبيب مع مريضه‎*.‎

‏*وخرج الأستاذ مع تلاميذه‎.‎‏*‏

‏*وخرج التاجر بعدما أغلق متجره إلى أجلٍ غير مسمى‎.‎‏*‏

‏*وخرج الطفل قبل أن يحفظ اسم مدرسته‎.‎‏*‏

‏*وخرج الشيخ تاركاً المسجد الذي صلى فيه عشرات السنين*‏‎.‎

 

‏لم تكن الحرب تفرّق بين الناس‎.‎‏

كانت تقتلعهم جميعاً من جذورهم‎.‎

وهكذا‎…‎

التقت حكايتان ظلتا تسيران متوازيتين لعقود‎.‎

المغترب القديم‎…‎‏ الذي ظل يؤجل العودة عاماً بعد عام‎.‎

والمواطن الذي لم يفكر يوماً في مغادرة السودان‎.‎

وفجأة‎…‎

وجد الاثنان نفسيهما يقفان في الطابور نفسه‎.‎

يحملان الحقيبة نفسها‎.‎

وينتظران المصير نفسه‎.‎

ولم يعد الاغتراب يعني عبور الحدود فقط‎.‎‏

فكثيرون أصبحوا غرباء داخل وطنهم‎.‎

نزحوا من مدينة إلى أخرى‎.‎

ومن ولاية إلى أخرى‎.‎

ومن مدرسة إلى مركز إيواء‎.‎

ثم إلى بيت قريب‎.‎

ثم إلى مدينة جديدة‎.‎

‏حتى صار بعض السودانيين يحملون عنواناً جديداً كل بضعة أشهر‎.‎‏

‏كأن الوطن نفسه أصبح يتنقل معهم‎.‎‏

‏وتبدلت معاني الكلمات‎.‎‏

كان الناس يقولون يوماً‎:‎‏ ‏‎”‎سافر‎.”‎

فكانت الكلمة تعني عملاً‎.‎

ثم أصبحت تعني دراسة‎.‎

ثم أصبحت تعني مستقبلاً‎.‎

‏أما اليوم‎…‎‏ فقد أصبحت تعني النجاة‎.‎‏

وهنا اكتمل التحول الكبير الذي بدأ قبل نصف قرن‎.‎‏

‏في السبعينيات كان الرحيل شهادة نجاح‎.‎‏

‏وفي الثمانينيات كان الرحيل مشروع بيت‎.‎‏

‏وفي التسعينيات كان الرحيل مشروع مستقبل‎.‎‏

‏ثم أصبح الرحيل محاولةً لإنقاذ الأسرة‎.‎‏*‏

‏ثم أصبح نجاةً من الحرب‎.‎‏

‏الرحيل واحد‎…‎‏

‏لكن معناه تغيّر خمس مرات‎.‎‏

ومع ذلك‎…‎‏

لم يحمل السودانيون معهم الكراهية‎.‎

حملوا أسماء مدنهم‎.‎

وحملوا لهجتهم‎.‎

وحملوا عاداتهم‎.‎

وحملوا قهوتهم‎.‎

‏وحملوا قدرتهم العجيبة على أن يصنعوا مجتمعاً جديداً أينما حلّوا‎.‎‏

وكأن الوطن، حين ضاقت به الأرض‎…‎

اختار أن يعيش داخل أبنائه‎.‎

‏ومن قلب هذا الألم‎…‎‏ ولدت حكايات أخرى‎.‎‏

حكايات أناس بدأوا من الصفر مرةً ثانية‎.‎

وأطباء فتحوا عيادات في المنافي‎.‎

ومعلمين عادوا إلى الفصول من جديد‎.‎

وشباباً صنعوا أعمالاً صغيرة من لا شيء‎.‎

وأمهاتٍ حوّلن البيوت المؤقتة إلى أوطانٍ مؤقتة، حتى لا يشعر الأطفال أن العالم كله قد ‏انهار‎.‎

وهنا‎…‎‏

وسط الركام‎…‎

بدأ السوداني يكتب فصلاً جديداً من حكايته‎.‎

ليس بعنوان الحرب‎…‎‏ ‏

بل بعنوان الإنسان‎.‎

‏الوطن الذي يسكن الناس: بعد كل هذه الرحلة‎…‎ يكتشف الإنسان حقيقةً لم يكن ينتبه إليها وهو يعيشها‎.‎

أن الأوطان لا تسكن الخرائط وحدها‎.‎

بل تسكن الناس‎.‎

قد يغادر الإنسان مدينته‎…‎

وقد يبيع بيته‎…‎

وقد يحمل جواز سفرٍ آخر‎…‎

وقد يتعلم لغةً أخرى‎…‎

لكن هناك أشياء لا تعرف الهجرة‎.‎

تبقى في مكانها‎…‎

وتبقى معه‎.‎

في الوقت نفسه‎.‎

يبقى صوت الأم‎…‎

وهي تنادي أبناءها عند المغيب‎.‎

ويبقى دعاء الأب وهو يودع ابنه عند باب السفر‎.‎

ويبقى مذاق أول فنجان قهوة في صباحات الجمعة‎.‎

ويبقى طعم الكسرة الساخن‎.‎

ورائحة العصيدة‎.‎

وصوت الملاعق في صينية الشاي‎.‎

ويبقى ظل شجرة النيم‎…‎‏ حين كان الأطفال يهربون إليها من شمس الظهيرة‎.‎

ويبقى النيل‎…‎‏ حتى عند الذين يعيشون بعيداً عنه آلاف الكيلومترات‎.‎

فليس كل من اشتاق إلى النيل‎…‎

كان يشتاق إلى الماء‎.‎

بل كان يشتاق إلى نفسه‎…‎

حين كانت الحياة أبسط‎.‎

والوطن‎…‎‏ ليس البيت وحده‎

كم من بيتٍ بقي واقفاً‎…‎‏ وغادره الوطن‎.‎

وكم من إنسانٍ فقد بيته‎…‎‏ وظل يحمل وطنه في قلبه‎.‎

والوطن‎…‎

ليس جواز السفر‎.‎

فكم من إنسانٍ غيّر جنسيته‎…‎

ولم يغيّر انتماءه‎.‎

وكم من طفلٍ وُلد بعيداً‎…‎

لكن قلبه يخفق كلما سمع أغنيةً سودانية‎…‎

أو رأى علماً سودانياً‎…‎

أو التقى سودانياً يناديه‎:‎‏ ‏‎”‎يا زول‎.”‎

والوطن‎…‎

ليس قطعة الأرض فقط‎.‎

بل رائحة المطر الأولى‎.‎

وصوت المؤذن في الحي القديم‎.‎

والجلسات التي لا موعد لها‎.‎

والأبواب التي لا تحتاج إلى استئذان‎.‎

والجيران الذين يعرفون أسماء الأطفال جميعاً‎.‎

والنساء وهن يتبادلن أطباق الطعام عبر “النفاج‏‎”.‎

والجيران الذين يختلفون كثيراً‎…‎

ثم يجلسون مساءً يشربون الشاي معاً‎.‎

 

‏ولعل أكثر ما يخيف الإنسان‎…‎‏

ليس أن يفقد وطنه‎.‎

بل أن يخاف، مع مرور الزمن، من أن يفقد تفاصيله‎.‎

أن ينسى شكل الأزقة‎.‎

ورائحة الأسواق‎.‎

وأسماء الأشجار‎.‎

ولهجة الباعة‎.‎

وطعم الماء في مدينته‎.‎

 

‏لذلك‎…‎‏

‏كان السودانيون، أينما ذهبوا، يحملون معهم ما يستطيع مقاومة النسيان‎.‎‏

أغنيةً‎.‎

أو صورةً‎.‎

أو مسبحةً قديمة‎.‎

أو مفتاحاً صدئاً‎…‎

لبابٍ قد لا يُفتح مرةً أخرى‎.‎

ولذلك أيضاً‎…‎

لم تكن الحقيبة، في رحلة السوداني، مجرد وعاءٍ للملابس‎.‎

كانت صندوق ذاكرة‎.‎

كل شيءٍ فيها يقول‎:‎‏ ‏‎”‎سنعود‎.”‎

حتى الذين كانوا يعرفون، في أعماقهم، أن العودة قد تطول‎…‎

ظلوا يرتبون حقائبهم كما لو أن الغياب أسبوعاً واحداً… (وأنا أحدهم)‏‎.‎

 

‏وربما لهذا السبب‎

كلما سأل أحدهم مغترباً سودانياً‎:‎‏ ‏‎”‎من أين أنت؟‎”‎

لم يكن يجيب باسم الدولة التي يقيم فيها‎.‎

بل يقول، بفخرٍ لا تضعفه السنون‎:‎‏ ‏‎”‎أنا من السودان‎.”‎

ثم، بعد لحظة صمت، يضيف اسم مدينته‎.‎

وكأن المدن، هي الأخرى، تسكن داخل الناس‎.‎

هناك من يقول‎:‎

من الأبيض‎.‎

ومن الخرطوم.‏

ومن دنقلا‎.‎

ومن كسلا‎.‎

ومن مدني‎.‎

ومن نيالا‎.‎

ومن سنجة.‏

ومن الفاشر‎.‎

ومن أم درمان.‏

ومن كوستي‎.‎

ومن بورتسودان‎.‎

‏ومن بارا‎…‎‏

‏المدينة التي كلما ذُكر اسمها، عاد إلى أهلها طعم الليمون، وظل النيم، وجمال رمالها ‏وتلالها وأصوات الذين غابوا، ووعد الذين بقوا بأن الخراب لن تكون له الكلمة الأخيرة‎.‎‏

 

‏لقد حمل السودانيون الوطن في حقائبهم‎…‎‏

ثم اكتشفوا، بعد رحلة العمر كلها‎…‎

أن الحقائب لم تكن تحمل الوطن‎.‎

‏*بل كان الوطن هو الذي يحملهم‎.‎‏*‏

يحمل لغتهم‎.‎

وأخلاقهم‎.‎

وصبرهم‎.‎

وضحكتهم التي تولد، أحياناً، في قلب المأساة‎.‎

ويحمل قدرتهم العجيبة على أن يبدأوا من جديد‎…‎

كلما ظن العالم أنهم انتهوا‎.‎

 

‏ولذلك‎…‎‏

‏فإن هذه الحكاية ليست عن الهجرة‎

ولا عن الحرب‎.‎

ولا عن الغربة‎.‎

‏إنها حكاية شعب‎.‎‏

تغيّرت أسباب رحيله‎…‎‏ لكن لم يتغير معدنه‎.‎

وتبدلت طرقه‎…‎‏ لكن لم يتبدل قلبه‎.‎

وتكسرت بيوته‎…‎‏ لكن لم تنكسر روحه‎.‎

 

‏وسيأتي يوم‎…‎‏

‏تُغلق فيه آخر خيمة نزوح‎.‎‏

‏ويعود الأطفال إلى مدارسهم‎.‎‏

‏ويجلس الآباء أمام بيوتهم من جديد‎.‎‏

‏وتعود القهوة لتفوح في صباحات المدن‎.‎‏

‏وتعود الضحكات إلى الشوارع التي أنهكها الصمت‎.‎‏

‏وحينها‎…‎‏

سيكتشف السودانيون أن الوطن لم يكن ينتظرهم في المكان فقط‎…‎

بل كان ينتظرهم في داخلهم‎.‎

وسيعودون‎…‎

لا لأن الطريق كان سهلاً‎.‎

‏بل لأن الأوطان، مهما ابتعدت، تعرف دائماً كيف تعيد أبناءها إليها‎.‎‏

‏إلى الذين حملوا الوطن في حقائبهم‎…‎‏

‏إذا وصلتم إلى هذه السطور‎…‎‏

‏فاعلموا أن هذا المقال لم يُكتب عنكم‎…‎‏

‏بل كُتب لكم‎.‎‏

ولم يكن محاولةً لتوثيق نصف قرنٍ من الاغتراب السوداني فحسب، بل محاولةً لحفظ ‏شيءٍ من الذاكرة، قبل أن تذروها رياح العمر، وتبتلعها المنافي، ويختلف الأبناء على أسماء ‏الأماكن التي كنا نحفظها عن ظهر قلب‎.‎‏‏

لقد علّمتنا الغربة أشياء كثيرة‎…‎‏

علّمتنا أن البيوت يمكن أن تُبنى في أي مدينة‎…‎

لكن الوطن لا يُبنى إلا في القلب‎.‎

وعلّمتنا أن جوازات السفر قد تتبدّل‎…‎

لكن اللهجة التي نادى بها آباؤنا أسماءنا، لا تتبدّل‎.‎

وأن الإنسان قد يتعلّم لغةً جديدة‎…‎

‏لكن أول كلمة خرجت من فمه باكياً ستظل هي اللغة التي يعود إليها حين ينكسر

 

‏الوطن‎…‎‏

ليس خريطةً تُعلَّق على جدار‎.‎

ولا علَماً يُرفع في مناسبة‎.‎

ولا بيتاً من الطوب والإسمنت‎.‎

 

‏الوطن‎…‎‏

شجرةُ نيمٍ تعرف ظلَّك‎.‎

وشجرةُ ليمونٍ تعرف يدَ من زرعها‎.‎

وشارعٌ يحفظ وقع خطواتك‎.‎

وجارٌ يطرق بابك دون موعد‎.‎

وصوتُ مؤذنٍ تعرفه قبل أن يبدأ الأذان‎.‎

ورائحةُ قهوةٍ تتسلّل من بيت أمّك مع أول الصباح‎.‎

ولهجةٌ لا تحتاج إلى ترجمة‎…‎

لأنها تصل إلى القلب قبل الأذن‎.‎

‏ولهذا‎…‎‏

‏حين حمل السودانيون الوطن في حقائبهم… اكتشفوا أن الحقائب كانت أصغر من أن ‏تتسع لكل ذلك.

تركوا البيوت‎…‎‏ لكن البيوت لم تتركهم‎.‎

وغادروا الشوارع‎…‎‏ لكن الشوارع ظلّت تمشي معهم‎.‎

وسافروا آلاف الكيلومترات‎…‎

لكنهم كانوا، كلما رأوا شجرةً تشبه النيم‎…‎

أو سمعوا أغنيةً قديمة‎…‎

أو شمّوا رائحة المطر‎…‎

‏عادوا إلى السودان، ولو لدقيقة واحدة

‏ولعل أجمل ما في هذه الحكاية‎…‎‏‏

‏أن الوطن، رغم كل ما أصابه‎…‎‏ ما زال يسكن أبناءه‎.‎‏

‏ولذلك‎…‎‏

سيأتي يومٌ يحمل فيه السوداني حقيبته مرةً أخرى‎…‎

لكن هذه المرة‎…‎

لن يبحث فيها عن وطن‎.‎

بل سيعود بها‎…‎

إلى وطنٍ ظل ينتظره‎…‎

‏كما تنتظر الأمُّ ولدها، مهما طالت الغيبة‎.‎‏

وحين يحدث ذلك‎…‎

‏ويعود السودانيون يوماً‎…‎

‏لن تكون العودة انتصاراً لمن غادر، ولا هزيمةً لما مضى‎.‎‏ ستكون عودة الإنسان إلى نفسه‎.‎‏

‏وسيكتشفون أن الحقائب بعد رحلة العمر كلها، لم تكن تحمل وطناً‎.‎‏ ‏بل كانت تحمل الشوق إليه‎.‎

أما الوطن‎‏ فقد ظل، طوال هذه الرحلة الطويلة، يحمل أبناءه في قلبه، حتى يعودوا إليه‎.‎‏

‎

عادل ود سهل

‏الدوحة – الاثنين 10 أغسطس 2026

‏.‏

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!