
علي الماحي
في زمنٍ تتسابق فيه الأصوات إلى المنابر، وتتنافس الوجوه على الشاشات، يختار بعض الأبطال الشجعان أن يعملوا بعيدا عن الأضواء، لا هروبًا من المسؤولية، بل إيمانًا بأن الأثر الحقيقي لا يحتاج إلى أضواء.
ذلك هو الرجل الأسد، الذي ظل يعمل صامتا في مؤسسة الدعم السريع، بعيدًا عن عدسات كاميرا الإعلام، متفرغًا بادارة عديد الملفات “السياسية والعسكرية” واضعًا نصب عينيه هدفًا واحدًا: رسم مستقبلٍ أكثر إشراقًا لهذا الوطن المثخن بالجراح.
والرجل الأسد قائدا ثوريا، من مخططى وصناع ثورة ديسمبر المجيدة مؤمنا بشعار “حرية _ سلام _ عدالة ” ليس من أصحاب الخطب الرنانة، بل رجل امتيازه عن الآخرين انه رجل أفعال “الموس الطرين العقر الفيل” تجده حاضر بالنداء العقلاني في أصعب المواقف بلا ضجيج الخلافات، مؤمنا بأن الحكمة هي السلاح الأقوى في زمن الفوضى. يتميز بالهدوءٍ والسكون، هدوء نادر مكنه من محاربة فكرة اليأس وجعله يملك رصيد معرفي عن التحديات والصعاب التى تعترى دروب النضال الطويل، فالنضال الثورى عنده لا يحتاج إلى الصراخ لإثبات الوجود ٠
هو من أولئك الذين يسعون لتحقيق طموحات الآخرين قبل أنفسهم، ويضعون تطلعات وآمال الشعب فوق كل اعتبارات شخصية ٠
وان حاول البعض التيمم فى اي وجهه بحثا عن هذا الرجل الأسد، ومعرفته فإنهم لا يحتاجون لكثير عناء في البحث فاسمه، محفورًا في سفوح الجبال ومكتوبا في أشجار الغابات ومدون في مفكرة النضال الثورى في بواكيره الأولى بدارفور الكبري، وقبل اندلاع حرب دارفور، رسم إسمه هناك، حيث الألم كان أكبر من الكلمات، وحجم المظالم التى فرضت على الشباب حمل السلاح دفاعًا عن غطرسة وعنجهية النظام البائد، كان إسمه حاضرًا مع رفقاء النضال الثورى، مؤسسين لمشروعية “الكفاح المسلح” مطالبين بحقوق شعبهم من طغيان الدولة الانقاذية القديمة، أنه لم يكن مشروع حرب، بل صرخة شعبٍ يحمل بداخله بركان ثوره تنادى بالحرية والسلام والعدالة ٠
انها فتره سابقه حقّقوا فيها انتصارات، وان شابتها بعض الهنات إلا أنها تجربة لامست طموحات شعبهم، واستشعر شعبهم لأول مرة أن صوتهم وصل، وأن التغيير ممكن، وأن المسيرة لن تتوقف، بل ستكتمل في يوم ما ٠
إلى جاءت حرب الحركة الإسلامية، وجيشها المؤدلج، محمّلًا بفكرة الإقصاء والشيطنه والاستعلاء، لمجتمعات بعينها مدعومًا بشبكات اعلامية تتبني خطاب الكراهية والعنصرية والحط من قدر المختلفين معهم اعادوا البلاد إلى مربع الدم والنار، وقطعوا الطريق أمام حلمٍ كان في طور التشكّل “رؤية ثورة التغيير السودانية”
وسط هذا الخراب، لم ينكفئ الرجل الأسد، ولم يتحول إلى تاجر مواقف، بل ازداد تمسكًا بمواقفة، وبفكرة أن السودان لا يُبنى بالانتقام، ولا يُدار بالأفكار العقائدية الاحادية التى لاتؤمن بالتعدد الإجتماعي والثقافي ، فسارع بتاييد الرؤية السياسية العسكرية المتوازنة، إلتى تستوعب التنوع، وتحمي الدولة من السقوط الكامل مشروع السودان التأسيسي ٠
إن أخطر ما يواجه الأوطان ليس الحرب وحدها، بل غياب الأبطال أصحاب المواقف الثابتة والراكزه، الذين يفكرون لبناء المستقبل وهم متقدمين في المعركة الوجودية ٠
ان هذا الرجل الأسد، واجباته العسكرية ومهامه التنظيمية تتطلب منا اخفاء إسمه ٠فهو نموذج نادر لأصحاب المبادئ والثوابت، رجل دولة يعافر لتأسيس دولة الحرية والعدالة والمساواة والتنوع، وأنه ظل مهموم و مشغول كثيرا لرؤية المشروع الوطني التاسيسى يتحول إلى مؤسسات واقعية تعمل على اشاعة الأمن والأمان والاستقرار ٠
قد لا يعرفه الناس بالاسم، وقد لا يظهر في الصور، لكن بصماته حاضرة في كل الملفات، وفي كل محاولة جادة لبناء السودان الجديد ٠
مهما طال الزمن، فالتاريخ لا يحفظ أسماء الصاخبين، بل يخلّد أولئك الذين صدقوا وحملوا قضية الهامش في كل حركاتهم وسكناتهم وفي عقولهم وقلوبهم، ومضوا بها بصمت وسط العواصف ٠



