رأي

شمال السودان… براءة المجتمع وإدانة النخبة المتمصرة: قراءة في جذور الأزمة السودانية

عباس احمد السخي

 

عباس أحمد السخي

أثار الفيديو المتداول لما سُمّي بـ«تجمع شمال السودان الإرادي المؤيد لتحالف تأسيس» نقاشًا بالغ الحساسية حول مسألة ظلّت مؤجلة لعقود: هل يتحمّل المجتمع الشمالي وزر السياسات التي انتهجتها النخب الحاكمة منذ الاستقلال، أم أن الأمر يتعلق بطبقة سياسية محدودة اختطفت الدولة ووجّهتها وفق مصالح ضيقة، كثيرًا ما ارتبطت بالخارج أكثر من الداخل؟

إن التمييز بين «المجتمع» و«النخبة» ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة تحليلية لفهم مأزق الدولة السودانية. فالشمال، بوصفه فضاءً جغرافيًا وثقافيًا، لم يكن كتلة صماء متجانسة سياسيًا، ولم يكن يومًا حاملًا مشروعًا إقصائيًا بطبيعته. بل على العكس، تشير وقائع التاريخ إلى أن هذا الإقليم كان أحد منابع الحراك المقاوم للظلم، بدءًا من إرهاصات الوعي المبكر بوحدة السودان، وصولًا إلى الحركات التي رفضت الهيمنة الخارجية.

وفي هذا السياق، تبرز الثورة المهدية بقيادة الامام محمد احمد المهدي بوصفها لحظة مفصلية في تاريخ السودان؛ إذ لم تكن الثورة المهدية مجرد انتفاضة دينية، بل مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا سعى إلى إعادة تعريف السودان ككيان مستقل، قائم على العدالة والمساواة، بعيدًا عن الهيمنة الثنائية التي مثلها الحكم التركي-المصري. هذه التجربة، رغم تعقيداتها، تعكس أن الشمال لم يكن يومًا حاضنة طبيعية للاستبداد أو التبعية، بل كان أحد منابع مقاومتهما.

غير أن ما أعقب الاستقلال في عام 1956 كشف عن انقطاع حاد بين هذا الإرث التاريخي وبين الممارسة السياسية للنخب التي تسلّمت السلطة. فقد تشكّلت طبقة حاكمة ذات ارتباطات عميقة بالمركز الإداري والثقافي الذي صاغته الثنائية الاستعمارية (البريطانية-المصرية)، وهي طبقة يمكن وصفها – في الأدبيات النقدية – بـ«النخبة المتمصرة»، ليس فقط من حيث التوجهات الثقافية، بل من حيث تصورها لوظيفة الدولة كأداة للسيطرة لا كإطار جامع للتنوع السوداني.

هذه النخبة لم تكتفِ بإعادة إنتاج مركزية الدولة، بل عمّقتها عبر سياسات ممنهجة اعتمدت على الإقصاء والتهميش، خاصة في الأقاليم الطرفية. فبدلًا من بناء عقد اجتماعي جديد يعكس تعددية السودان، جرى تكريس معادلة «المركز والهامش»، حيث تتركّز السلطة والثروة في يد قلة، بينما تُترك الأطراف لمصيرها في الفقر والنزاعات. وهنا تكمن المفارقة: لم يكن الشمال كمجتمع هو من مارس هذه السياسات، بل نخبة محدودة استخدمت انتماءها الجغرافي كغطاء لشرعنة هيمنتها.

إن أخطر ما في هذا المسار لم يكن فقط في نتائجه الاقتصادية أو السياسية، بل في أثره العميق على النسيج الاجتماعي السوداني. فقد أدت هذه السياسات إلى تغذية خطاب جهوي وعنصري، قسّم السودانيين إلى هويات متناحرة، وأعاد تعريف الصراع من كونه سياسيًا حول السلطة والموارد، إلى صراع هوياتي وجودي. وهنا تحديدًا تتجلى خطورة اللحظة الراهنة؛ إذ لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل تعبيرًا عن انهيار شامل لفكرة الدولة الوطنية.

 

وفي هذا الإطار، يصبح الحديث عن «براءة الشمال» ليس تبرئة جغرافية بقدر ما هو محاولة لإعادة توجيه البوصلة نحو الفاعل الحقيقي: النخبة التي احتكرت القرار، وأدارت الدولة بمنطق الغنيمة. فالتعميم، كما هو معلوم، أحد أخطر أدوات الخطاب العنصري؛ إذ يختزل المجتمعات في صور نمطية، ويمنح شرعية زائفة لسياسات الانتقام الجماعي.

كما أن الإدانة الصريحة لجرائم الحرب، بما في ذلك قصف الطيران واستهداف المدنيين، تمثل حدًا أدنى من الالتزام الأخلاقي والسياسي. فالسكوت عن هذه الجرائم، كما أشارت المتحدثة، لا يمكن تفسيره إلا باعتباره شكلًا من أشكال التواطؤ، إن لم يكن شراكة ضمنية في إنتاج العنف. ومن هنا تبرز أهمية الأصوات التي تسعى إلى كسر هذا الصمت، وإعادة تعريف المسؤولية على أساس فردي ومؤسسي، لا على أساس جهوي.

إن الدعوة إلى «إعادة تأسيس السودان» التي يطرحها هذا تحالف، تعكس إدراكًا متزايدًا بأن الأزمة السودانية ليست أزمة حكومة أو نظام، بل أزمة دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. إعادة التأسيس هنا تعني تفكيك البنية القديمة التي قامت على الإقصاء، وبناء دولة جديدة تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والتوزيع العادل للثروة والسلطة.

غير أن هذا المشروع لن ينجح ما لم يترافق مع مراجعة نقدية عميقة للخطاب السياسي السائد، خاصة ذلك الذي يوظف الجهوية والعنصرية كأدوات تعبئة. فقد أثبتت التجربة أن هذه الأدوات، وإن بدت فعّالة على المدى القصير، فإنها تقود في نهاية المطاف إلى تفكك الدولة وانهيارها، كما هو الحال في السودان اليوم.

إن تحميل الشمال، أو أي إقليم آخر، مسؤولية ما جرى ويجري، هو تبسيط مخلّ يخدم ذات النخب التي صنعت الأزمة. أما الطريق الحقيقي للخروج من هذا المأزق، فيمر عبر بناء تحالف وطني عريض، يضم كل مكونات السودان، بما في ذلك أبناء الشمال، على أساس برنامج سياسي واضح يعالج جذور الأزمة، لا أعراضها كما هو الحال عند تحالف تأسيس.

في الختام، يمكن القول إن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي: إما الاستمرار في دوامة الاتهامات المتبادلة، التي لا تنتج سوى المزيد من الانقسام، أو الانخراط في مشروع وطني جامع، يعيد تعريف الدولة على أسس جديدة. وفي هذا السياق، فإن أصواتًا مثل تلك التي عبّر عنها «تجمع شمال السودان الإرادي» تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، اتجاه تفكيك السرديات الزائفة، وبناء وعي جديد يتجاوز الجغرافيا نحو المواطنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!