رأي

حكومة الإنقاذ وعسكرة الوعي السوداني: كيف تحولت الدولة إلى مشروع تعبئة دائمة

نجوي بابو

 

نجوى بابو

ليست أخطر مظاهر العسكرة تلك التي تُرى في ساحات القتال أو تُقاس بعدد البنادق والدبابات، بل تلك التي تتسلل بصمت إلى العقول، فتُعيد تشكيل الوعي الجمعي للمجتمع وفق منطق الحرب ومقتضياتها. فحين يصبح السلاح مرجعاً للفكر، وتغدو الطاعة قيمة أعلى من الحرية، ويُختزل الوطن في معسكر كبير، تكون العسكرة قد تجاوزت حدود المؤسسة العسكرية لتستقر في بنية المجتمع ذاته.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة نظام الإنقاذ في السودان، ليس باعتبارها مجرد سلطة سياسية استمرت ثلاثة عقود، وإنما بوصفها مشروعاً متكاملاً لإعادة هندسة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أمنية وعسكرية جعلت مفهوم القوة يتقدم على مفهوم المواطنة، وجعلت التعبئة تحل محل المشاركة السياسية.

لقد جاءت الإنقاذ إلى السلطة عبر انقلاب عسكري، ولم تكن هذه مجرد وسيلة للوصول إلى الحكم، بل كانت تعبيراً عن رؤية كاملة للدولة والسلطة والمجتمع. فالأنظمة التي تنشأ من رحم المؤسسة العسكرية غالباً ما تنظر إلى المجال العام باعتباره فضاءً ينبغي ضبطه لا تحريره، وإلى المواطنين باعتبارهم كتلة يجب تعبئتها لا مجتمعاً ينبغي تمكينه.

لهذا لم تكن سياسات التعبئة التي صاحبت سنوات الإنقاذ مجرد استجابة ظرفية لظروف الحرب الأهلية، وإنما كانت جزءاً أصيلاً من فلسفة الحكم نفسها. فقد تمددت مفردات المعسكر إلى تفاصيل الحياة اليومية، وأصبحت لغة الاستنفار والتعبئة والجهاد والحشد جزءاً من الخطاب السياسي والإعلامي والتعليمي والثقافي.

وبمرور الوقت لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل تحولت إلى إطار ذهني دائم تُفسَّر من خلاله السياسة والاقتصاد والثقافة والعلاقات الاجتماعية. وأصبح المواطن الصالح في نظر الدولة هو ذلك الذي ينخرط في مشروع التعبئة ويُظهر الولاء له، بينما جرى التعامل مع الاختلاف السياسي أو الفكري بوصفه تهديداً للأمن أو خروجاً عن الصف الوطني.

وهنا تكمن الإشكالية الجوهرية.

فالدولة الحديثة تقوم على التمييز الواضح بين المجال المدني والمجال العسكري. الجيش مؤسسة وطنية مهمتها حماية الدولة وحدودها وسيادتها، لكنه لا يفترض أن يكون المرجعية التي تُصاغ على أساسها الحياة السياسية أو تُعرَّف من خلالها الهوية الوطنية. وعندما تنهار هذه الحدود الفاصلة، يبدأ المجتمع تدريجياً في تبني منطق الثكنة.

والثكنة بطبيعتها لا تقوم على الجدل الحر أو التعدد الفكري، وإنما على التسلسل الهرمي والطاعة والانضباط. وهذه القيم ضرورية داخل المؤسسة العسكرية لأداء مهامها، لكنها تصبح خطراً حقيقياً عندما تتحول إلى فلسفة لإدارة المجتمع بأسره.

لقد أشار عدد من المفكرين السياسيين إلى أن أخطر ما يمكن أن يصيب الدولة الحديثة هو تحويل السياسة إلى معركة دائمة بين أصدقاء وأعداء. ففي هذه الحالة يفقد المجال السياسي طبيعته المدنية ويتحول إلى ساحة استقطاب وجودي لا مكان فيها للتنوع أو الاختلاف أو التسويات الديمقراطية.

ومن هنا يمكن فهم الكيفية التي تمددت بها ثقافة التعبئة خلال سنوات الإنقاذ إلى المدارس والجامعات والمنابر الإعلامية والدينية، حيث لم يكن الهدف إنتاج مواطن مستقل التفكير، بل إنتاج فرد يرى العالم من خلال ثنائية الصراع الدائم والانقسام المستمر بين معسكرين لا ثالث لهما.

وإذا كانت السلطة قد منحت أدوات التعبئة غطاءً قانونياً، فإن ذلك لا يمنحها بالضرورة شرعية دستورية أو أخلاقية. فالقانون يفقد معناه حين يتحول إلى وسيلة لتوسيع نفوذ السلطة على المجتمع بدلاً من أن يكون أداة لحماية الحقوق والحريات.

إن جوهر الدولة الدستورية لا يُقاس بعدد القوانين التي تصدرها، وإنما بقدرتها على وضع حدود واضحة لسلطة الدولة نفسها. وعندما يصبح الأمن قيمة مطلقة تبتلع الحرية والعدالة والتعدد، يتحول القانون من حارس للحقوق إلى أداة لإدارة الطوارئ بشكل دائم.

ومع ذلك فإن القراءة المنصفة للتاريخ تقتضي الاعتراف بأن السودان خلال سنوات الإنقاذ لم يكن يعيش ظروفاً مستقرة. فقد شهدت البلاد حروباً أهلية طويلة ونزاعات مسلحة معقدة وأزمات أمنية متلاحقة. لكن التجارب الإنسانية كلها تؤكد أن الخطر لا يكمن في اتخاذ إجراءات استثنائية خلال الأزمات، بل في تحويل الاستثناء إلى قاعدة دائمة، وتحويل الضرورة المؤقتة إلى فلسفة حكم مستمرة.

فالحروب مهما طال أمدها تنتهي، لكن المؤسسات والثقافات التي تُبنى في ظلها قد تستمر لعقود، وتواصل التأثير في الأجيال اللاحقة حتى بعد سقوط الأنظمة التي أنشأتها.

ولهذا فإن السؤال الأهم اليوم لا يتعلق فقط بما إذا كانت الإنقاذ قد أسهمت في عسكرة المجتمع السوداني، بل يتعلق بمدى استمرار آثار تلك العسكرة في الوعي السياسي والاجتماعي بعد زوالها. فإسقاط الأنظمة أسهل بكثير من تفكيك العقليات التي أنتجتها ورسختها عبر سنوات طويلة.

إن التحدي الحقيقي أمام السودان يتمثل في إعادة بناء مفهوم المواطنة على أسس جديدة تجعل الإنسان محور الدولة لا مجرد أداة في مشاريع التعبئة والصراع. مواطن تُقاس قيمته بمشاركته في الشأن العام وإسهامه في بناء المؤسسات واحترامه للقانون، لا بمدى قربه من السلطة أو انخراطه في مشاريع الحشد.

مواطن يراقب السلطة بدلاً من أن يذوب فيها، ويحمي الدولة عبر المؤسسات لا عبر الاصطفاف الأعمى، ويُعرّف الوطنية باعتبارها التزاماً بالحرية والعدالة والمسؤولية المدنية لا باعتبارها حالة استنفار دائمة.

فالأمم لا تُبنى بالسلاح وحده، ولا تنهض بالجيوش فقط، وإنما تُبنى كذلك بالجامعات والمدارس والمحاكم والصحف ومراكز البحث ومؤسسات المجتمع المدني. وحين تتراجع السياسة أمام منطق القوة، تخسر الدولة جزءاً من روحها حتى وإن امتلكت أسباب التفوق العسكري.

ولعل الدرس الأعمق الذي تتركه تجربة الإنقاذ هو أن عسكرة المجتمع قد تمنح السلطة قدرة أكبر على السيطرة، لكنها لا تمنحها القدرة على بناء استقرار مستدام. فالدول التي تدير مواطنيها بمنطق المعركة تظل أسيرة المعركة، أما الدول التي تديرهم بمنطق المواطنة والحقوق والمؤسسات فهي وحدها القادرة على صناعة السلام الدائم وبناء المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!