رأي

حين يصبح السلام جريمة: معركة الضمير في وجه تجّار الحرب بالسودان

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

الحرب لا تُثبت شجاعة الأمم، بل تكشف إفلاسها الأخلاقي عندما تعجز عن حماية الحياة

في السودان، لم تعد الحرب مجرد صراع مسلح بين أطراف متنازعة، بل تحولت إلى نظامٍ كاملٍ له لغته، واقتصاده، وحُماته. نظامٌ يعتاش على الخوف، ويستمد شرعيته من استمرار الدم، ويضيق ذرعاً بكل من يرفع صوته مطالباً بالحياة. في هذا السياق، لم يعد السلام خياراً سياسياً عادياً، بل صار معركة أخلاقية في مواجهة منظومة ترى في وقف الحرب تهديداً مباشراً لمصالحها.

المفارقة القاسية أن الدعوة إلى السلام باتت تُقابَل بسيلٍ من الاتهامات الجاهزة: التخوين، العمالة، التواطؤ، أو الضعف الوطني. كأن المطالبة بوقف القتل خروج عن الصف، وكأن الدفاع عن المدنيين خيانة. لكن أي وطن هذا الذي تُقاس فيه الوطنية بعدد القتلى، وتُختزل فيه السيادة في فوهة بندقية؟

الحقيقة التي يخشاها دعاة الحرب أن استمرار النزاع ليس قدراً، بل خيار سياسي واعٍ. خيار تتبناه قوى راكمت نفوذها عبر العنف، وفي مقدمتها الإسلامويون وقوى الردة، وجيش الكيزان الذي جرى اختطافه وتحويله من مؤسسة يُفترض أن تحمي الشعب إلى أداة أيديولوجية لحماية مصالح ضيقة. هؤلاء لا يرون في السودان وطناً جامعاً، بل غنيمةً تُدار بمنطق السيطرة والإقصاء.

لقد أثبتت التجربة أن كل فرصة سلام تُجهض لا لضعفها، بل لأن السلام ذاته مرفوض ممن يخشون لحظة الحساب. السلام يعني نهاية اقتصاد الحرب، وتفكيك شبكات الامتياز، وسقوط الخطاب التعبوي القائم على التخويف والكراهية. لذلك تُرفع المتاريس السياسية، وتُفخخ المبادرات، ويُعاد إنتاج العنف كلما اقترب الأمل من التحقق.

وفي مواجهة هذا الواقع، يبرز وعي الشارع السوداني كقوة أخلاقية مضادة. فالشعار الذي أطلقه الثوار: «الجيش ما جيش السودان، الجيش جيش الكيزان»، لم يكن انفعالاً عاطفياً، بل قراءة دقيقة لمسار طويل من الاختطاف المؤسسي. وما نراه اليوم من دمار شامل، ونزوح جماعي، واستهداف للمدنيين، يؤكد أن ذلك الشعار كان تشخيصاً مبكراً لكارثة جرى تجاهلها حتى انفجرت.

السلام الذي ينشده السودانيون ليس سلام الصفقات ولا تسويات الغرف المغلقة. إنه سلام يعالج الجذور العميقة للأزمة: دولة مدنية ديمقراطية، عدالة انتقالية لا تستثني أحداً، تفكيك حقيقي لبنية التمكين، وتنمية متوازنة تُنهي التهميش الذي غذّى الحروب منذ الاستقلال. سلام يعيد الاعتبار للإنسان باعتباره الغاية، لا الوقود.

إن كسر حلقة الحرب ممكن، لكنه يتطلب شجاعة أخلاقية قبل أن يكون قراراً سياسياً. شجاعة تسمية الأشياء بأسمائها، ومحاصرة خطاب الكراهية، وتوحيد القوى المدنية حول مشروع حياة لا مشروع موت. ففي هذا الزمن، الصمت ليس حياداً، بل تواطؤ. أما الانحياز للسلام، فهو الانحياز الوحيد الذي لا يُخطئ البوصلة: انحياز للحياة، وللمستقبل، ولسودانٍ يستحق أن يُنقذ من بين أنياب تجّار الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!