رأي

القبيلة والجهوية والسلاح: كيف يتفكك السودان؟

عادل تاج الدين جار النبي

 

عادل تاج الدين جار النبي

Consultant @ JARO Projects & Consulting

jaroprojectsconsulting.com

ليست مأساة السودان الراهنة مجرد حرب بالسلاح، بل هي في جوهرها أزمة وعي. أزمة دولة أخفقت في قراءة مجتمعها، وفشلت في إدارة العلاقة المعقّدة بين القبيلة والجهة والوطن، فاختلطت الهوية بالعنف، وتحولت الجغرافيا إلى خطوط مواجهة.

ما يحدث اليوم يعيد إلى الأذهان تجربة الصومال، حين انهارت الدولة بدعاوى القبلية والجهوية، وحاولت فرض نموذج سلطوي فوق مجتمع تحكمه الولاءات المحلية. هناك لم تكن الهزيمة عسكرية فقط، بل سبقتها هزيمة اجتماعية عميقة.

في السودان، يتكرر المشهد بصورة أكثر تعقيدًا، لم تعد الصراعات سياسية خالصة، بل أصبحت خليطًا من قبيلة وجهة وسلاح. صراعات تتحرك بمنطق الانتماء الأول، لا بمنطق الدولة الجامعة.

لم تعد القبيلة وحدها اللاعب الرئيسي، بل التحمت بها الجهوية لتتحول إلى أداة تعبئة وتجييش. جرى توظيف الجهوية كوقود للصراع، وتحويل الانتماء الجغرافي إلى هوية سياسية حادة، تُستحضر عند الحاجة وتُهمل عند تبدّل المصالح.

وهنا يكمن الخطأ الأكبر للنخب السودانية، مدنية كانت أم عسكرية. فبدل تفكيك هذا المنطق الخطِر، جرى الاستثمار فيه. استُخدمت القبيلة والجهة أدوات للحشد والصراع، ثم عاد الجميع ليشتكي من تفكك الدولة وضعفها.

وهكذا دخل السودان دائرة خطرة تتسع يومًا بعد يوم: دولة هشة، قبائل مسلحة، جهويات متصارعة، ونخب تعيش على الانقسام أكثر مما تبحث عن الخلاص.

التاريخ القريب يقدّم دروسه بوضوح: لا قبيلة تُكسر بالقوة، ولا جهة تُلغى بالخطاب، ولا دولة تُبنى بالسلاح. الصومال، ليبيا، اليمن، وأفغانستان شواهد حيّة على أن الدولة التي تصطدم بمجتمعها، تخسر مستقبلها قبل حاضرها.

في السودان، لا يمكن الحديث عن دولة مدنية حقيقية دون مصالحة صادقة مع البنية القبلية، وعدالة حقيقية بين الجهات، وعقد اجتماعي يعترف بالتنوع ويحوّله إلى مصدر قوة لا سبب خوف.

السلاح قد يحسم معركة، لكنه لا يصنع وطنًا.

والجهوية قد تحشد الجماهير، لكنها لا تبني دولة.

والقبيلة قد تحمي أبناءها، لكنها لا تحمي بلد. خلاصة الامر

السودان لا ينهار لأنه بلد متعدّد القبائل و الاعراق والجهات، بل لأنه يُدار بعقلية تخاف من هذا التعدد، بدل أن تبني به دولة تتسع للجميع.

 

دالاس/تكساس

الجمعة الجامعة ٣٠ يناير ٢٠٢٦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!