
مؤيد الأمين
مع اتساع رقعة التوترات في الإقليم، وتداخل الصراعات العسكرية والسياسية بين قوى دولية وإقليمية، تبدو الحرب في السودان أكثر ارتباطاً بالسياق الجيوسياسي المحيط مما تبدو مجرد صراع داخلي معزول. فالحرب الدائرة لم تعد محكومة فقط بمعادلات القوة المحلية، بل أصبحت متشابكة مع تحولات إقليمية كبرى، وعلى رأسها التصعيد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وفي قلب هذا التشابك تظهر بوضوح حالة الارتباك والتناقض التي يعيشها الإسلامويون في السودان.
لقد ارتبطت الحركة الإسلاموية السودانية تاريخياً بشبكات إقليمية متغيرة، تحكمها براغماتية مفرطة أكثر مما تحكمها مبادئ ثابتة. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، حين فتح نظامهم البلاد أمام تحالفات مع قوى معادية للغرب، كانت العلاقة مع إيران جزءاً من استراتيجية البحث عن حلفاء في مواجهة العزلة الدولية. وقد وفرت طهران حينها دعماً سياسياً وأمنياً وعسكرياً ضمن معادلة تبادل المصالح.
غير أن ما نشهده اليوم يكشف طبيعة مختلفة تماماً لهذا التحالف. فمع تصاعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، وتراجع قدرتها على فرض حضورها الإقليمي، اختفى تقريباً الخطاب الإسلاموي السوداني الذي طالما لوّح بعلاقاته مع طهران كورقة ضغط في مواجهة الغرب. بل إن المواقف الصادرة عن دوائرهم الإعلامية والسياسية بدت أقرب إلى التبرؤ الضمني من إيران، أو حتى الاستهجان غير المباشر لمحاولاتها الدفاع عن نفسها.
هذا التحول لا يعكس مراجعة فكرية بقدر ما يعكس منطق البقاء السياسي. فالإسلامويون، الذين يخشون أن يُنظر إليهم كجزء من محور معادٍ للولايات المتحدة، يسعون اليوم إلى إعادة تموضعهم ضمن خطاب أقل تصادماً مع الغرب. إنهم يدركون أن ميزان القوة الدولي لا يسمح بمغامرات أيديولوجية، وأن أي ارتباط علني بمحور معادٍ لواشنطن قد يضعهم في دائرة الاستهداف السياسي والعسكري.
لكن هذا التحول يكشف أيضاً أزمة أعمق تتعلق بطبيعة المشروع الإسلاموي نفسه. فغياب الأخلاق السياسية الثابتة، واستبدالها بمنطق المناورة المستمرة، يجعل التحالفات لديهم مجرد أدوات ظرفية. فالحليف ليس شريكاً استراتيجياً بقدر ما هو وسيلة مؤقتة لتحقيق غاية سياسية. وحين تتغير موازين القوة، يصبح التخلي عنه أمراً طبيعياً ضمن هذا المنطق النفعي.
المفارقة أن هذا السلوك قد تكون له آثار مباشرة على مسار الحرب في السودان. فمع انشغال الولايات المتحدة وأطراف دولية أخرى بالتصعيد في الشرق الأوسط، يتراجع الاهتمام الدولي بالأزمة السودانية، وهو ما يمنح القوى المرتبطة بالإسلامويين مساحة زمنية أوسع لإعادة تنظيم خطابها السياسي والإعلامي. فبدلاً من خطاب التهديد بالانضمام إلى محور معادٍ للغرب، قد نشهد في المرحلة القادمة تحولات خطابية جديدة تتجه نحو التهدئة، وربما حتى محاولة تقديم أنفسهم كشركاء محتملين في ترتيبات إقليمية جديدة.
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف سيعيد الإسلامويون صياغة خطابهم السابق الذي كان يتفاخر بعلاقاتهم مع إيران؟ وكيف سيقنعون قواعدهم السياسية بهذا التحول؟ إن الإجابة تكمن في خبرتهم الطويلة في إعادة تشكيل السرديات السياسية، حيث تُعاد كتابة المواقف القديمة بما يتناسب مع الظروف الجديدة، بينما يُطلب من الأنصار قبول التحول باعتباره ضرورة مرحلية.
وسط كل هذه التحولات، يبقى الخاسر الأكبر هو السودان نفسه. فكلما انشغل العالم بأزمات إقليمية أخرى، تراجعت القضية السودانية في سلم الأولويات الدولية. ويبدو أن الآمال التي علّقها السودانيون على ضغوط المجتمع الدولي من أجل إنهاء الحرب قد تتبدد مرة أخرى مع تحوّل الأنظار إلى ساحات صراع أخرى.
وهكذا يجد السودان نفسه مرة أخرى ضحية تلاقي الأزمات: حرب داخلية لم تُحسم، وصراع إقليمي يبتلع الاهتمام الدولي، ومشروع سياسي مأزوم يواصل إعادة إنتاج نفسه عبر التحول والتلون. وبين هذه الدوائر المتشابكة، يبقى السؤال الأكبر معلقاً: متى يصبح السودان أولوية للعالم قبل أن يتحول الخراب إلى واقع دائم؟




