رأي

إعادة صياغة السيادة الزراعية السودانية (2-2)

حسن علي سنهوري مستشار التنمية الزراعية

 

حسن علي سنهوري مستشار التنمية الزراعية

ترسيخ الاستثمار الزراعي المسؤول لتحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة

نحو نموذج استثماري زراعي مسؤول:

في بيئة دولية تنافسية، لم يعد جذب الاستثمار الزراعي هدفًا بحد ذاته، بل تحوّل إلى أداة استراتيجية تتطلب توجيهًا دقيقًا لخدمة الأمن القومي والسيادة الاقتصادية. وبما يمتلكه السودان من إمكانات زراعية فريدة، تلوح أمامه فرصة تاريخية ليس فقط لتحقيق اكتفائه الذاتي، بل ليصبح ركيزة للأمن الغذائي الإقليمي. ومع ذلك، فإن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع مزدهر ومستدام يستلزم نقلة نوعية في فلسفة الاستثمار، بحيث تتجاوز منطق الربح المادي البحت لتصبح محركًا للعدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية.

يُعرَّف “الاستثمار الزراعي المسؤول” بأنه الاستثمار الذي يساهم بفعالية في تحقيق الأمن الغذائي والتغذية، ويعزز سبل العيش المستدامة، ويهدف إلى القضاء على الفقر، مع احترام كامل لحقوق الإنسان. إنه نهج شمولي يضمن ألا يكون النمو الاقتصادي على حساب حقوق المجتمعات المحلية أو سلامة الموارد الطبيعية. وبالنسبة للسودان، ونظرًا للمظالم التاريخية التي عانى منها صغار المنتجين والتي كانت سببًا رئيسيًا للنزاعات والحروب، فإن تبني رؤية صارمة ومبدئية للاستثمار الزراعي المسؤول ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة حتمية.

يهدف هذا المقال إلى تقديم رؤية تتجاوز النموذج التقليدي لجذب رأس المال، والانتقال إلى استقطاب استثمارات نوعية ومسؤولة، تضمن أن تكون كل اتفاقية استثمارية رافعة حقيقية للأمن الغذائي والتغذية، ودرعًا لحماية الموارد وحقوق المجتمعات المحلية، ومحركًا للتنمية الشاملة والمستدامة. والهدف النهائي هو تسليح السودان بأداة استراتيجية تضمن تحقيق مصالحه العليا.

البيئة العالمية: 

إن فهم البيئة العالمية التي تحكم الاستثمارات الزراعية هو الخطوة الأولى نحو تبني نموذج استثماري مسؤول، فالسودان ليس معزولًا عن السياق العالمي. في السابق، كان التحكم في الأراضي الزراعية هدفًا سياسيًا أساسيًا لتأمين الموارد الغذائية، أما في العصر الحالي، فقد أصبح الارتباط بالشبكات العالمية هو ما يحدد قيمة المورد الزراعي. لم تعد الأرض تمثل “حصنًا”، بل أصبحت “عقدة” ضمن شبكة عالمية تخضع لمنطق السوق الدولية وليس فقط للسيادة الوطنية. هذا التحول يجعل الموارد الزراعية عرضة لمضاربات الشركات العالمية، ويحوّل الأفراد من مواطنين يمتلكون حقًا في موارد دولتهم إلى مجرد امتدادات لإدارة شركات تجارية عالمية، مما يؤدي إلى تآكل مفهوم المصلحة العامة المرتبطة بالأمة لصالح مصالح فئوية أو شبكات عالمية. قد يجد المزارع أو المستثمر الصغير نفسه مرتبطًا بشبكة إنتاج وتصدير عالمية أكثر من ارتباطه بخطط التنمية الوطنية لدولته. وبسبب منطق هذه الشبكات، تُوجَّه أفضل الأراضي السودانية لإنتاج محاصيل نقدية تلبيةً لاحتياجات السوق العالمية، بينما يعاني المزارع المحلي من نقص الغذاء الأساسي؛ إذ يجعل هذا النظام المزارع السوداني رهينة لتقلبات الأسعار في البورصات العالمية. والمشاريع التي بشرت بها وزارة الثروة الحيوانية وبدأت في تنفيذها خير مثال على ذلك. لقد حوّل هذا المنطق المزارع السوداني من “كيان ذي سيادة” مرتبط بأرضه، إلى “عنصر وظيفي” في ماكينة عالمية لا تهدف لتلبية احتياجاته، بل لتعظيم أرباح الشبكات التي تدير الثروة العابرة للحدود. باختصار، إن “تجريد” الموارد الزراعية يحولها من وسيلة لتحقيق الأمن والرفاهية للمجتمع إلى أدوات في صراعات القوة المالية العابرة للحدود.

أسس الاستثمار الزراعي المسؤول:

يمكن معالجة منطق الشبكات من خلال استراتيجية وطنية ترتكز بشكل كبير على المعايير الدولية المتفق عليها، لضمان التوافق مع أفضل الممارسات العالمية وتسهيل الحوار مع الشركاء الدوليين. وفي هذا السياق، تُعد “مبادئ الاستثمار المسؤول في الزراعة والنظم الغذائية”، التي أقرتها لجنة الأمن الغذائي العالمي (CFS) عام 2014، الإطار المرجعي العالمي الأشمل والأكثر توافقاً. توفر هذه المبادئ العشرة بوصلة أخلاقية وعملية لتوجيه الاستثمارات نحو تحقيق التنمية المستدامة. وفيما يلي عرض للمبادئ العشرة مع شرح موجز لأهميتها الاستراتيجية:

المساهمة في الأمن الغذائي والتغذية: يجب أن يكون الهدف الأساسي لأي استثمار هو دعم قدرة الدولة على توفير غذاء كافٍ وآمن ومغذٍ لجميع سكانها، مما يعزز السيادة الغذائية الوطنية.

المساهمة في التنمية الاقتصادية المستدامة والشاملة والقضاء على الفقر: يتعين على الاستثمارات أن تخلق فرص عمل لائقة، وتعزز سبل العيش المستدامة، وتضمن توزيعاً عادلاً للفوائد الاقتصادية، خصوصاً في المناطق الريفية.

تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة: ينبغي أن تعمل الاستثمارات على تمكين النساء بفعالية في القطاع الزراعي، وضمان وصولهن العادل إلى الموارد والفرص ومناصب صنع القرار.

إشراك الشباب وتمكينهم: ينبغي أن توفر الاستثمارات فرصاً جذابة للشباب في قطاعي الزراعة والنظم الغذائية، للمساهمة في الحد من البطالة وضمان استمرارية القطاع.

احترام حيازة الأراضي ومصائد الأسماك والغابات والوصول إلى المياه: يجب أن تحترم جميع الاستثمارات حقوق الحيازة المشروعة للمجتمعات المحلية والمزارعين وتحميها، مع ضمان عدم حدوث أي تهجير قسري أو استيلاء على الموارد.

الحفاظ على الموارد الطبيعية وإدارتها باستدامة وزيادة القدرة على الصمود والحد من مخاطر الكوارث: يجب أن تتبنى الاستثمارات ممارسات زراعية مستدامة تحافظ على البيئة والتنوع البيولوجي، وتعزز قدرة النظم الزراعية على التكيف مع تغير المناخ.

احترام التراث الثقافي والمعارف التقليدية ودعم التنوع والابتكار: ينبغي للاستثمارات أن تقدّر وتحمي المعارف التقليدية للمجتمعات المحلية، وأن تدعم الابتكارات المتوافقة مع السياق المحلي والتي تعزز التنوع الزراعي..

تعزيز النظم الزراعية والغذائية الآمنة والصحية: ينبغي أن تكفل الاستثمارات سلامة المنتجات الغذائية عبر سلسلة القيمة بأكملها، مع دعم صحة الإنسان والحيوان والبيئة بصورة متكاملة.

إدماج هياكل وإجراءات حوكمة وآليات شفافة وشاملة لمعالجة المظالم: يجب أن تستند الاستثمارات إلى حوكمة رشيدة تشمل مشاركة جميع الأطراف المعنية، وتوفر آليات واضحة وفعالة لتسوية النزاعات والتعامل مع الشكاوى.

تقييم ومعالجة الآثار وتعزيز المساءلة: من الضروري إجراء تقييمات متعمقة للآثار الاجتماعية والبيئية والاقتصادية للاستثمارات، ووجود آليات مساءلة قوية تضمن التزام جميع الأطراف بمسؤولياتها.

إن تبني هذه المبادئ لا يعني تطبيقها بنصها، بل يتطلب تكييفها وتنفيذها بمرونة وذكاء لتناسب السياق السوداني الخاص، مع مراعاة التحديات والفرص المميزة التي يواجهها.

العودة الي نقطة البداية

تتمثل الخطوة الأولى للتعامل مع هذا الواقع المفروض في تغيير المفهوم المتجذر للسيادة في القطاع الزراعي لدى النخب السودانية منذ الاستقلال. هذا المفهوم كان سيادة وظيفية، حيث كانت شبكات العلاقات ومصالح الدول الأخرى تتحكم في سياسات وخطط القطاع الزراعي. يجب التحول إلى مفهوم السيادة الوطنية الحقيقية، والتركيز على التحكم في السياسات بما يخدم احتياجات المواطنين ورغباتهم. وينبغي أن يتركز ثقل القرار في البرلمانات والمؤسسات الديمقراطية التي يحاسبها الشعب، باعتبار أن الفرد مواطن له حقوق سيادية في موارد دولته.

كما أن نجاح الاستثمار المسؤول ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل هو نتاج تضافر جهود جميع الفاعلين في القطاع الزراعي. إن تبني نهج متعدد الأطراف، كما تروج له المبادئ، هو ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار؛ فهذا النهج يوزع المخاطر، ويعزز القبول المجتمعي للمشاريع، وينشئ آليات مراقبة ذاتية ومستدامة، مما يجعل الاستثمارات أكثر استقرارًا وربحية على المدى الطويل، وهو ما يخدم مصالح الدولة والمستثمرين الجادين على حد سواء.

ويأتي أصحاب الحيازات الصغيرة ومنظماتهم على رأس هؤلاء الفاعلين، إذ يلعبون دورًا مزدوجًا كمستثمرين رئيسيين في الزراعة وأصحاب مصلحة أساسيين. يجب عليهم المشاركة بفعالية في عمليات صنع القرار التي تؤثر عليهم والدعوة إلى سياسات داعمة. أما المؤسسات المالية والجهات المانحة والصناديق، فيجب عليها دمج مبادئ الاستثمار المسؤول في سياساتها وقراراتها التمويلية، وإجراء العناية الواجبة لضمان أن المشاريع التي تمولها تحترم حقوق الإنسان والبيئة، وتعزيز الشفافية في عملياتها. وتقوم منظمات المجتمع المدني بدور حيوي في الرصد المستقل، والدعوة، وبناء القدرات، وتوعية المجتمعات بحقوقها، كما يمكنها أن تكون جسر تواصل بين المجتمعات المحلية وصانعي السياسات والمستثمرين. وينحصر دور المنظمات الحكومية الدولية والإقليمية في تقديم الدعم الفني وبناء القدرات، وتسهيل الحوار وتبادل المعرفة، وتشجيع مواءمة السياسات مع مبادئ الاستثمار المسؤول بعيداً عن أجنداتها الخاصة.

 نحو مستقبل زراعي مزدهر ومستدام للسودان

إن تبني هذه الرؤية يمثل استراتيجية اقتصادية ذكية وضرورة للأمن القومي؛ إذ يضمن تحويل الاستثمارات الزراعية إلى أداة لتعزيز السيادة على الموارد الوطنية، وتحقيق الأمن الغذائي للشعب السوداني، وخلق قيمة مضافة مستدامة. وهي ضرورة استراتيجية لحماية ثروات السودان وضمان استثمار كل قطرة ماء وكل شبر من أرضه في مستقبل شعبه.

 

حسن علي سنهوري

مستشار التنمية الزراعية

saniali2010@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!