
علي سانتينو
ما يدور في غُرف المخابرات بين نظام السيسي وبورتسودان هو مشروع عدواني يقوم على نهب البلاد واستنزافها، وإبقاء السودان في حالة عجز تمهيداً لتفكيكه وإعادة تركيبه بما يخدم مصالح القاهرة. فالنظام المصري يُخفي خطابه التآمري لكنه يتصرف كقوة استعمارية كلاسيكية ترى في السودان تابعاً. وتعمل المخبارات المصرية لحقب طويلة لتفكيك السودان، حيث بُذلت جهوداً كبيرة في عملية فصل جنوب السودان، وتعمل اليوم بشكل جاد لفرض انفصال جديد على غرب السودان، وقد تبين ذلك من خلال دعم الحرب الحالية، ومعروف ان المنظومة المصرية ظلت تدعم الانقلابات العسكرية في السودان ابتداءً من عبود والنميري حتى البشير إلى 25 اكتوبر الذي قطع الطريق على التحول المدني الديمقراطي!
ان الخطاب المصري المتكرر عن أمن الحدود والاستقرار الإقليمي هو خيط رفيع لسياسات فظة تريد سودان بلا وحدة، وبلا جيش مهني وبلا أفق ديمقراطي. حيث بات واضحاً ان الدولة السودانية المستقرة تشكّل خطراً وجودياً على النظام القمعي في القاهرة، واي تحول ديمقراطي في الخرطوم يعني سقوط أسطورة الاستقرار بالقبضة الحديدية التي يتغذى عليها حكم المصريين لسنوات. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة حملات التضييق الممنهج على السودانيين في مصر بإعتبارها سياسات منسقه بين القاهرة وبورتسودان، تهدف إلى تصفية الوجود السوداني القادر على الحركة، وتحديدا فئة الشباب. فالتسجيلات الصوتية التي خرج بها سودانيون في القاهرة نسفت كل الروايات الرسمية للقاهرة، وأظهرت أن الهدف هو التجنيد القسري لصالح جيش البرهان، عبر الطرد، ودفع الشباب إلى خيارات مميّتة!
فالسخرية القاتلة أن النظام المصري الذي يقدّم نفسه كحام للأرواح، هو الذي يدفع السودانيين إلى خطوط النار ليقاتلوا في حرب بلا أفق، تدعم جيشاً ايدولوجيا عاجزا عن اي تحقيق نصر لكي يُستكمل عجزه. هذه تجارة حرب يُعاد فيها تدوير اللاجئين إلى جثث. وتبقى مصر آخر من يتحدث عن سلام السودان، ويلاحظ في اي تجربة سودانوية حاولت كسر الحلقة الجهنمية بين العسكر والسلطة، وقوف القاهرة في ضفة مباركة الانقلاب، وهي توفّر الغطاء السياسي والإقليمي لإجهاض أي تحول ديمقراطي مرتقب، لان السودان الديمقراطي لا يمكن التحكم في موارده، ولا يمكن استخدامه كساحة خلفية لصراعات الآخرين!
وعندما تفشل سياسة الإبقاء على السودان مشلولاً ومفككاً، تنتقل القاهرة إلى خيار التقسيم كحل نهائي، وهي ذات الأدوات والذرائع التي استُخدمت في فصل الجنوب يُعاد ترتيبها شمالاً تحت حرب الكرامة وشيطنة الدولة الواحدة، ثم تسويق فكرة الدويلات المتناحره كواقع لا مفر منه، الفرق الوحيد في هذه الوقاحةأن التجربة السابقة لم تُحاسَب ولم تجرد خيباتها!
يظل السودان بلد سائبة في العقل الاستراتيجي المصري، وعمق جغرافي ومجال للمناوره والنفوذ. وكلما كان السودان مشغولًا بنفسه، كلما سهل نهبه وتفكك وزادت شهية المتربصين به، هذه قراءة لمسار طويل من السلوك السياسي الذي لا يرى في السودان إلا ساحة مفتوحة للفوضى ونهب للثروات!
وما يثير الاشمئزاز هنا أن نظاماً مأزوماً اقتصادياً وفاقدا للشرعية، يحاول اليوم تعويض فشله عبر تصدير الخراب، ثم يتحدث عن الاستقرار. حيث تبقى حقيقة أن هذا النظام لا يعيش إلا في بيئة من الفوضى، ولا يستمر إلا بضمان استضعاف الجيران. فالذي يجب أن يُقال في هذه اللحظة ان النظام المصري الحالي هو عدو مباشر لوحدة السودان واستقراره، وأي محاولة لتجميل هذا القبح أو التخفيف منه هو تواطؤ صريح مع مشروع نهب البلاد واستعمارها.




