
حامد نحوله
تلك هي الهدنة الضبابية.. اتفاق يُجمد القتال من دون أن يطفئ ناره، ويمد يداً للمصافحة في حين اليد الأخرى تشد على الزناد..
يقول التاريخ إن الهُدن التي توقع وسط الغضب تُعبّر عن تعب لا قناعة، وعن اضطرار لا عن رغبة في صلح. طرف يجرّ القلم كأنه يجرّ سيفه المَهزوم، وآخر يُوّقع وهو يحسب الوقت الذي يفصله عن الجولة التالية. لا تصنع هذه الهدن سلاماً، بل صمتاً مُسلحاً يتغذى على الشعور بالمَهانة ليعود مدوياً كانفجار بركان. يقول المفكر الفرنسي ريمون آرون واصفاً هذا النوع من الصلح أو السلام: «سلام بلا عدالة ليس سوى استراحة حرب». أما الكاتب جورج أورويل 1984 فلمح إلى «أن السلام بين غير المتكافئين يولد حرباً مؤجلة».
في اتفاقية فرساي الشهيرة 1919 أكبر مثال على الهدن الغاضبة التي أدت إلى حرب جديدة. وفي اتفاق ميونخ عام 1938 عندما قدّم تشامبرلين لتشرشل ورقة السلام مع هتلر، قال الأخير عبارته الخالدة: «لقد اخترتم العار على الحرب وستحصلون على كليهما» بعد عام فقط كان الدخان يتصاعد فوق أوروبا.
أما في بلادنا السودان ، فقد شهدنا اتفاقية الهدنة كثيرة فاشلة دون ان تحقق شئ و التي لم توقف الحرب من دون أن تنهي الصراع. كانت هدنة على حساب الجرح الهامش السوداني وصفها المفكر إدوارد سعيد بأنها( إعادة ترتيب للظلم أكثر من كونها تسوية له). لأن القضايا الجوهرية بقيت بلا حل. وفي كتاب أورويل ذكر أيضاً ( السلام المزيّف لا يُبنى على التفاهم، بل على الخوف من الجولة القادمة). وهذا ما يجعل الهدنة الضبابية فخاً نفسياً، فحين يُوقعّ المَقهور على ورقة لا يقتنع بها، يترك فيها بصمات انتقامه المؤجل.
وفي السياق السوداني ليست كل هدنة فرصة للسلام، بعضها استراحة مُقاتل يَلعَق جِراحه ليتابع الحرب القادمة وفي تاريخ الهدن الضبابية يُعلمنا أن السلام الحقيقي لا يُبنى على الغَلبة، بل على العدالة. ما لم يتم إعادة التوازن بين العزة والخسارة، ستظل الهدنة حبلاً ممدوداً فوق فوهة بركان إن الهدنة التي لا تعالج أسباب الصراع الحقيقي من جزوره في السودان هو فخّ مؤقت، قد يربح فيها المنتصر معركة ويخسر الاستقرار. وقد يخسر فيها المَهزوم وتُدمَر أرضه وقد تُحتَل أجزاء من أراضيه، لكنه يكسب ذاكرة الأجيال.. علمتنا دروس التاريخ أن اتفاق وقف إطلاق نار لا يُوقِف العقول ولا القلوب التي تشعر بالظلم. السلام الحقيقي يحتاج إلى توازن حقيقي «توازن العزة) لا ( توازن رعب) . أم الهدن الضبابية فلا بد أن تعود بوجه جديد كما نراها الان من قبل الفلول التي دعت لها الرباعية كخير مثال و
إن كانت النيات هي البحث عن سلام حقيقي ودائم، فالقاعدة العامة التي يُبنى عليها السلام هي العدالة. لا يمكن أن ينمو السلام في أرض يشعر فيها الشعب أنه خاسر ومهدور الحق. السودان المثال الصارخ: لا يمكن أن يكون سلاماً طالما هناك استهداف لشعب بالطيران المسير للقوافل الانسانية وتهجير وحرمان من الحقوق والواجبات من الاوراق الثوبيةو غيرها من الحقوق والواجبات الوطنية الاساسية التي يستحقها اي سوداني و كل اتفاق لا يتضمن عدالة سيبقى هدنة مؤقته تنتظر انفجارها القادم قريبا . الذاكرة في المنطقة ليست مجرد ماضٍ، بل حاضر يتنفس. لا سلام من دون مواجهة التاريخ بشجاعة واعتراف بأن الهُدن السابقة كانت مجرد طلاء على جدارٍ مُتصدِع. السلام الحقيقي يبدأ عندما يشعر الانسان السوداني بكرامته غير قابلة للمساومة. مشكلتنا هي في ثقافة السلام ان السودان اليوم يشبه حديقة امتلأت بالأشواك لأن أحداً لم يتفرغ لتقليمها. السلام ليس أن نرمي المقص وننتظر معجزة، بل أن نبدأ بجرأة في إزالة الأشواك العالقة في أذهان الناس والتي تتوارثها الأجيال وتغذيها الوسائل الإعلامية التي تدار من غرف تديرها التدخلات الدولية مع الفلول التي لا ترى في السودان شعبا ، بل مصالح وسلع تفاوضية..
باختصار السودان الجديد ليس بحاجة إلى المزيد من الاتفاقيات الضبابية الغير واضحة لراي العام التي لا تلد سوى ثورات جديدة اشد نضالا ، بل إلى إعادة هندسة الوعي الثقافي لدى كامل الأطراف الحرب. السلام الحقيقي لا يولد على طاولة المفاوضات، بل في لحظة تدرك فيها جميع الأطراف أن الحرب أصبح أكثر كلفة من الجرأة على إنهائه. وفي التاريخ أيضاً أكثر من حرب طويلة انتهت بسلام عادل بعيداً عن تلك الهدن الضبابية.. مثلاً حرب الثلاثين 1618، الحرب الأهلية الأمريكية، ونظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. اللائحة تطول.. واتفاقية السلام ليست حلاً مفقوداً.. المفقود هو الرغبة الحقيقية لدى الجميع ذات المصالح الإقليمية، بسلام عادل يرضي كل الهامش بلا منازعات مستقبلية في السودان الجديد . لكن المفقود هو الوعيّ الداخلي بأنها أرض السلام الجامع، لا يمكن أن تكون أرضاً كبرى لدولة واحدة، بل هي.. أرض تعايش بين مختلف الشعب السوداني قاطبة دون فرز لاحد .




