بيان مايسمي بإعلام أبناء جبال النوبة بالمهجر: محاولة لإعادة النوبة إلى بيت الطاعة السياسي
بروفيسور خالد كودي ،، بوسطن

بروفيسور خالد كودي، بوسطن
في بيانٍ طويلٍ ومصقولٍ لغويًا، صدر بتاريخ 20 فبراير 2026، تحت اسم “إعلام أبناء جبال النوبة بالمهجر”، حاولت مجموعة مرتبطة عمليًا بأجهزة سلطة البرهان وكامل إدريس أن تقدّم نفسها بوصفها “وصيًا” على قضية جبال النوبة، وناطقًا باسم “الإرادة الشعبية”، ومخوّلًا بإعادة تعريف من يمثل الإقليم، ومن لا يمثّله!.
البيان، في ظاهره، يتحدث عن التاريخ، والرموز، والتفويض، والمساءلة، و”استعادة القرار”.
أما في جوهره، فهو محاولة سياسية مكشوفة لإعادة اختطاف قضية الهامش، وإعادتها إلى حضن الدولة المركزية القديمة، بعد أن فشلت هذه الدولة عسكريًا وأخلاقيًا في كسر إرادة النوبة.
أولًا: ماذا يقول البيان باختصار؟
يمكن تلخيص البيان في أربع أفكار أساسية:
١/ الإشادة بقيادات النوبة التاريخية من الأب فيليب غبوش إلى يوسف كوة
٢/ الاعتراف بتفويض الحركة الشعبية في مؤتمر كاودا 2002
٣/ الزعم بأن القيادة الحالية انحرفت عن التفويض
٤/ الدعوة لسحب الملف من الحركة الشعبية وإعادة “التمثيل”!!!!
هذه هي خلاصة البيان.
لكن السؤال الحقيقي ليس: ماذا يقول؟
بل: من يقوله؟ ولمصلحة من؟ وفي أي سياق؟
ثانياً: المفارقة الكبرى – البحث عن الحل عند صانع المأساة!
أعجب ما في هذا البيان ليس ما يقوله، بل من أين يتكلم وإلى أي جهة يتوجّه.
فالبيان، عملياً، لا يخاطب شعب النوبة ولا قواه الحيّة، بل يخاطب الرأي العام الإقليمي والدولي بلغة تبريرية تخدم سردية السلطة القائمة في بورتسودان:
– سلطة البرهان
– وحكومة كامل إدريس
– وأجهزتها الأمنية التي اشعلت وأدارت الحرب، وهدمت القرى، وجوّعت المدنيين، وشرعنت القتل باسم “الكرامة”
هنا تكمن المفارقة الفاضحة:
كيف يبحث كُتّاب البيان عن “استعادة القرار الشعبي” داخل بنية الدولة التي صادرت القرار الشعبي تاريخياً، وقامت أصلاً على إنكار وجود النوبة والهامش؟!!
إنه منطق المستعبد الذي يطالب سيّده بتحسين شروط العبودية، لا منطق شعبٍ يسعى للتحرر وهزيمة من يحبسه.
ثالثاً: جهلٌ مركزي بقضايا النوبة
البيان يثبت، فقرة بعد فقرة، أن كاتبيه لا يدركون ما هي قضايا النوبة أصلاً.
فقضية جبال النوبة ليست:
– أزمة تمثيل إداري،
– ولا خللاً في “إدارة التفويض”
– ولا خلافاً شخصياً مع قيادة سياسية،
قضية النوبة، تاريخياً وجوهرياً، هي:
١/ قضية أرض: اغتصاب منهجي للأراضي، وقوانين وجهوية عنصرية، ونزع الملكيات باسم “المصلحة العامة”
٢/ قضية هوية: إنكار ثقافي، وتعريب قسري، وأسلمة الدولة، وتجريم التعدد
٣/ قضية سلطة: دولة مركزية عسكرية لا ترى في النوبة إلا جنوداً أو رعايا
٤/ قضية كرامة انسانية: قتل، قصف، حصار، تهميش وتجويع ممنهج بوصفه سياسة دولة
هذه القضايا لم يصنعها عبد العزيز الحلو، ولم تبدأ مع الحركة الشعبية.
هذه القضايا هي التي صنعت الكمولو، وصنعت الأب فيليب عباس غبوش، ويوسف كوة مكي، وكل تاريخ المقاومة النوبية!
رابعاً: خيانة الرموز باستدعائها
يستدعي البيان أسماءً عظيمة—من قيادات الكمولو إلى فيليب غبوش إلى يوسف كوة—ثم يستخدمها ليبرر خطاباً نقيضاً لمشروعهم!!
– الاب فيليب غبوش ناضل ضد الدولة الدينية.
– يوسف كوة مات وهو يطالب بدولة علمانية ومواطنة متساوية.
– قادة الكمولو حملوا السلاح لأن الدولة لم تترك لهم خياراً آخر.
فبأي حق يُستدعى هؤلاء لتبرير العودة إلى أحضان:
– دولة الشريعة
– دولة الجيش الواحد الخاضع لعقيدة إسلاموية
– دولة المركز النيلي
– دولة هدم “الأحزمة السوداء” وتشريد الفقراء والمهمشين؟
– دولة قوانين الوجوه الغريبة الكشات
خامساً: لماذا هذا النظام عدوٌّ مباشر للسودان الجديد
نظام البرهان وكامل ادريس القائم اليوم:
– لا مصلحة له في السودان الجديد
– لا مصلحة له في المواطنة
– لا مصلحة له في العلمانية
– لا مصلحة له في اللامركزية الحقيقية
– لا مصلحة له في العدالة التاريخية
– لا مصلحة له في جيش قومي مهني واحد لاتهميش فيه
لأن كل هذه المبادئ:
– تهدد امتيازاته
– تكشف جرائمه
– تفكك بنيته
– وتنهي احتكاره للعنف والثروة
فكيف يصبح هذا النظام فجأة “مرجعية” لحل قضية النوبة؟
سادساً: الأحزمة السوداء… والدولة التي تهدم بيوت الفقراء
في الوقت الذي يتباكى فيه البيان على “معاناة المدنيين”، تصمت الجهة التي تقف خلفه عن
– قوانين الوجوه الغريبة
– حملات الهدم القسري
– تدمير مساكن المهمشين في أطراف المدن
– معاملة النوبة وغيرهم كغرباء في وطنهم
– هذه ليست أخطاء عرضية، بل سياسة دولة.
والبيان، بصمته، شريك فيها.
سابعاً: عقلية مُستلبة بلا أفق — من مشروع التحرر إلى منطق التكيّف
لا يعبّر البيان عن مراجعة سياسية جادّة، بقدر ما يكشف عن انزياح عميق في الوعي: من رؤية قضية النوبة بوصفها مسارًا للتحرر، إلى التعامل معها كأزمة تُدار داخل منظومة القهر نفسها. فهو يستعير لغة “القرار الشعبي” ليُسوّق، عمليًا، لمنطق الدولة التي صادرت هذا القرار تاريخيًا.
يتجلّى هذا الاستلاب في اختزال القضية إلى ترتيبات تمثيل وإجراءات شكلية، في قطيعة واضحة مع مبادئ الكمولو، والأب فيليب غبوش، ويوسف كوة مكي، الذين فهموا نضال النوبة بوصفه معركة وجود ضد نظام الإقصاء، لا ملفًا تفاوضيًا قابلًا للمساومة.
هؤلاء أدركوا أن الظلم في السودان ليس خللًا إداريًا، بل بنية متكاملة للهيمنة، لا تُواجَه بإدارتها بل بتفكيكها، وبناء دولة تقوم على المساواة والعدالة واحترام التعدد وحقوق الأقاليم- وهذا ما تفعله الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال.
لذلك يبدو البيان بلا أفق: لأنه يهرب من سؤال الجذور، ويستبدل مشروع التحرر بمنطق التكيّف، وكسر القيود ثوريا بمحاولة تحسين شروطها. يفاوض البيان داخل القفص بدل هدمه، ويعدّل ميزان الهيمنة بدل إسقاطه، ثم يسمّي ذلك “واقعية”
أما الواقعية الحقيقية، كما علّمنا تاريخ النوبة، فهي:
لا سلام بلا عدالة، ولا وحدة بلا مساواة، ولا مستقبل بلا قطيعة مع دولة الامتياز والاستعلاء.
خاتمة: السودان الجديد… حين تتحوّل القضية إلى مشروع وطن
ليس من يعمل في مكاتب الأجهزة الأمنية او لصالحها، ولا من يجمّل خطاب السلطة بلغة ناعمة، ولا من يخاف الحرية أكثر مما يخاف الظلم، هو من يملك حق الحديث باسم النوبة. هذا الحق لا يُمنح بالبيانات، ولا يُكتسب بالمناورات، بل يُنتزع بالنضال، ويُصان بالثبات، ويُثبت بالانحياز الدائم للكرامة.
إن من يملك شرعية تمثيل النوبة هو:
١/ من دفع ثمن الموقف ولم يساوم عليه،
٢/ من وقف في مواجهة الدولة الظالمة لا في ظلّها،
٣/ من تمسّك برؤية السودان الجديد باعتبارها طريقًا للتحرر، لا عبئًا يجب التخلص منه.
وفي هذا السياق، فإن صمود الحركة الشعبية وتمسّكها بمشروع السودان الجديد لا يمثّل دفاعًا عن تنظيم أو قيادة، بل دفاعًا عن جوهر القضية نفسها: دولة المواطنة المتساوية، والعلمانية، والعدالة، والاعتراف بالتعدد، وتقاسم السلطة والثروة على أساس الحق لا الامتياز. وهو المشروع الذي ناضل من أجله أبطال النوبة، وارتبطت به تضحياتهم، وأحلامهم، ووصاياهم للأجيال القادمة.
فالسودان الجديد ليس ضمانًا لإنصاف النوبة وحدهم، بل هو الإطار الوحيد لبناء وطن حديث يحترم كل السودانيين، ويُنهي تاريخ الإقصاء، ويكسر دورة الحرب، ويحوّل التنوع من عبء إلى مصدر قوة.
أما هذا البيان، مهما تزيّن باللغة الأخلاقية، فهو تعبير عن ارتداد سياسي، وعن خوف مزمن من مشروع التحرر، وعن رغبة في العودة إلى منطق الوصاية والتبعية. إنه خطاب يطلب الأمان في ظل القهر، لا الكرامة في مواجهة الاستبداد.
والنوبة—كما علّمنا تاريخهم الطويل—
لا يعودون إلى الأقفاص بعد أن تعلّموا كيف يكسرون أبوابها،
ولا يتخلّون عن درب الحرية بعد أن دفعوا ثمنه دمًا وصبرًا وذاكرة.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)



