رأي

بين نيران الحرب وحدود السياسة: هل أصبح النازح السوداني أداة ابتزاز إقليمي؟

أدهم الضهيب

 

 أدهم الضهيب

في لحظة تاريخية تتشابك فيها المأساة الإنسانية مع حسابات السياسة الإقليمية، يجد النازح السوداني نفسه عالقًا بين خيارين أحلاهما مرّ: حرب لم تتوقف، وحدود لم تعد آمنة. فبينما لا تزال جبهات القتال مشتعلة داخل السودان، تتكشف خارج حدوده واقعٌ قاسٍ يبدد أوهام “الملاذ الآمن”، ويطرح تساؤلات أخلاقية وقانونية كبرى حول مصير مئات الآلاف من الفارين من جحيم الصراع.

لطالما مثّلت الهجرة القسرية للسودانيين إلى دول الجوار، وعلى رأسها مصر، تعبيرًا عن بحثٍ يائس عن الأمان. غير أن تقارير متواترة ووقائع ميدانية متزايدة تشير إلى تحوّل مقلق في التعاطي الرسمي مع النازحين، يتجاوز الاعتبارات الإنسانية إلى استخدامهم كورقة ضغط في سياق سياسي وأمني معقد. فبدل أن تكون الحدود مساحة حماية مؤقتة، باتت في حالات عديدة بوابة لإعادة قسرية إلى مناطق ما زالت تعاني من آثار الحرب المباشرة.

تشير شهادات متطابقة إلى عمليات ترحيل جماعي للنازحين السودانيين من الأراضي المصرية، تتم في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، ومن دون ضمانات قانونية أو إنسانية كافية. هذه العمليات لا تسلب النازحين استقرارهم النسبي فحسب، بل تعيدهم قسرًا إلى بيئات غير آمنة، في مقدمتها مناطق من العاصمة الخرطوم لا تزال تعاني من الدمار، وانهيار الخدمات، وغياب مظاهر الحياة الطبيعية.

الأخطر في هذا السياق ما يتردد عن وجود تلوث بيئي وكيميائي في بعض تلك المناطق، نتيجة العمليات العسكرية، حيث أُبلغ عن نفوق حيوانات وحشرات، وظهور أعراض مرضية غير مألوفة بين من تبقّى من السكان. وإذا ما ثبتت صحة هذه التقارير، فإن إعادة النازحين إلى مثل هذه البيئات لا يمكن توصيفها إلا بوصفها تعريضًا متعمّدًا لحياتهم للخطر، وربما محاولة لفرض واقع ديمغرافي أو حاضنة قسرية تخدم أهدافًا عسكرية أو سياسية محددة.

ويرى مراقبون أن هذا النهج يعكس حالة من الارتباك والتخبط لدى القاهرة، في ظل أزمات اقتصادية خانقة وتراجع مصادر الدعم التقليدية. فالسودان، الذي كان يمثل شريانًا اقتصاديًا مهمًا عبر تدفق المنتجات الزراعية واللحوم، بات اليوم ساحة صراع مفتوحة، ومع تعطل تلك التدفقات، يبدو أن كلفة الأزمة تُحمّل – بصورة غير عادلة – على كاهل اللاجئين والنازحين السودانيين، في تجاهل واضح للالتزامات الدولية المتعلقة بحماية اللاجئين وعدم إعادتهم قسرًا إلى مناطق النزاع.

إن الاستمرار في دعم طرف بعينه داخل الصراع السوداني، وتحويل معاناة المدنيين إلى أداة ضغط سياسية، يكشف عن غياب منظور إنساني شامل، وتغليب المصالح الأمنية الضيقة على حساب حياة البشر وكرامتهم. وهو نهج لا يهدد النازحين وحدهم، بل يزرع بذور عدم الاستقرار في الإقليم ككل.

أمام هذا الواقع، تبرز مسؤولية “حكومة السلام والوحدة” – إن أرادت الاضطلاع بدورها التاريخي – في التحرك العاجل لحماية مواطنيها في المنافي القسرية، عبر إنشاء مراكز إدارية وقنصلية فاعلة في دول جوار بديلة، وتقديم الدعم القانوني واللوجستي للنازحين، بما يقلل من تعرضهم للابتزاز أو الترحيل المهين.

كما تقع على عاتق المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان مسؤولية كسر الصمت إزاء ما يجري على المعابر والحدود، ووقف أي عمليات ترحيل قسري إلى مناطق نزاع مسلح، فضلًا عن ضرورة إرسال لجان تحقيق دولية مستقلة للتحقق من الادعاءات المتعلقة باستخدام أسلحة محظورة أو حدوث تلوث بيئي ناتج عن العمليات العسكرية في الخرطوم وغيرها.

إن الحرب التي أشعلتها طموحات الحركة الإسلامية، وتغذت على دعم إقليمي مكشوف، لن تُحسم بإذلال النازحين أو كسر إرادتهم، بل بوضع حد نهائي للمتاجرة بآلام الشعب السوداني، وإعادة الاعتبار للإنسان باعتباره جوهر أي حل سياسي عادل ومستدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!