رأي

حين تُزوَّر الحرب: الجيش المختطف وسقوط سردية “الصراع بين طرفين”

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

أخطر ما يواجه الشعوب في لحظات التحول ليس الرصاص وحده، بل الأكاذيب التي تُطلق عليه اسم الحياد

ليس من قبيل الرأي أو الاجتهاد السياسي القول إن ما يجري في السودان ليس حربًا متكافئة بين طرفين متنازعين على السلطة، بل حربًا أُشعلت عمدًا لإجهاض ثورة ديسمبر المجيدة، وإعادة إنتاج سلطة عسكرية إسلاموية جرى لفظها شعبيًا. فالحقيقة التي لا تخطئها عين أن هذه الحرب بدأت بقرار سياسي ـ عسكري من الجيش المختطف من جماعة الإخوان المسلمين، سعى من خلاله إلى تصفية خصومه بالقوة، والعودة بالبلاد إلى مربع الحكم الاستبدادي.

لقد كان واضحًا منذ الساعات الأولى أن المخطط يقوم على حسم عسكري خاطف، يقوم على مهاجمة معسكرات قوات الدعم السريع، واغتيال عناصرها، والقضاء عليها خلال أيام معدودة. وقد بدأت تلك العمليات باستهداف معسكرات معروفة، من بينها معسكر سركاب، وسقط خلالها عدد من القتلى في سياق لا يمكن وصفه إلا باعتباره عدوانًا مسلحًا منظمًا، وجريمة سياسية كبرى، لا يجوز طمسها تحت دعاوى “اندلاع الاشتباكات بين الطرفين”.

غير أن فشل هذا المخطط فتح الباب أمام طور أكثر خطورة من الحرب، تمثل في استهداف المجتمعات المدنية بذريعة “الحواضن الاجتماعية”. فالقصف الجوي والمدفعي لم يكن عشوائيًا، بل وُجه إلى مناطق وكيانات اجتماعية بعينها، في سياق عنصري واضح، يستند إلى خطاب كراهية ممنهج، مارسته سلطة بورتسودان فاقدة الشرعية والأهلية. وقد رافق ذلك سلوكيات إجرامية موثقة، شملت القتل خارج نطاق القانون، والتعذيب، وتدمير المنازل، ونهب الممتلكات، في ممارسات تنتمي إلى منطق الإبادة لا إلى قواعد الحرب.

الأخطر من ذلك أن هذا العنف لم يكن سلوك مجموعات منفلتة، بل جرى تحت غطاء أيديولوجي واضح، تبنته كتائب مرتبطة بالتيار الإسلاموي، أعادت إنتاج خطاب ديني إقصائي، يُجرّد فئات واسعة من السودانيين من إنسانيتهم، ويبرر قتلهم بوصفهم “أعداء” أو “غزاة”. وهنا يسقط تمامًا أي حديث عن مؤسسة وطنية، إذ يتحول الجيش، في هذه الحالة، إلى أكبر مليشيا منظمة عرفتها القارة، تاريخها حافل بالحروب ضد شعوب الهامش، لا بحمايتهم.

ورغم هذا التاريخ الأسود، لا تزال بعض القوى المدنية، وعدد من المثقفين، يتعاملون مع الحرب بوصفها صراعًا بين طرفين متكافئين، في تجاهل فادح لطبيعة الصراع وأهدافه. فهذه الحرب تستهدف، في جوهرها، مجتمعات تمثل الغالبية العظمى من السودانيين، تلك التي آمنت بمشروع التغيير، وانحازت إلى إعادة تأسيس الدولة على أسس عادلة، تُنهي هيمنة المركز والنخب، وتعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها.

إن الإصرار على الإبقاء على الجيش بصيغته الحالية، أو التعامل معه ككيان قابل للإصلاح الجزئي، هو ضرب من الوهم السياسي. فالمطلوب ليس “إصلاح” مؤسسة أُسست تاريخيًا على الإقصاء والعنصرية، بل تفكيكها وإعادة بنائها على أسس وطنية، بعقيدة قتالية جديدة، تعكس التنوع السوداني، ولا تحتكر قيادتها مجموعات بعينها.

ولا يمكن فصل الحرب الجارية عن جغرافيتها. فتركز العمليات العسكرية في مناطق محددة ليس مصادفة، بل يعكس نية مبيتة لتدمير مجتمعات بعينها، وإعادة توزيع الموارد والتنمية لصالح أقاليم محددة، في استمرار مباشر لسياسات التهميش التاريخية.

ورغم قتامة المشهد، يظل لافتًا أن قوات الدعم السريع، رغم ما حققته من تقدم عسكري، لم تغلق باب التفاوض، وشاركت في مبادرات السلام، ووقعت مذكرة تفاهم مع قوى مدنية وسياسية في يناير 2024، في مقابل رفض صريح ومعلن من الجيش المختطف لأي مسعى لوقف الحرب، وإصرار قيادته على مواصلة القتال مهما كان الثمن الإنساني.

إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس الحرب فحسب، بل محاولات تزوير معناها، وتقديمها للعالم كصراع متكافئ. فحين تُطمس الحقيقة، تُقتل الضحية مرتين: مرة بالسلاح، ومرة بالسردية. ومن هنا، فإن واجب القوى الحية هو تسمية الأشياء بأسمائها، والانحياز الواضح لمشروع تأسيس الدولة السودانية الجديدة، دولة العدالة، والتنوع، والمواطنة بلا تمييز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!