شهادة ميلاد الدولة العنيفة (٢): من الإغراق التاريخي إلى الحرب الجارية الآن
د.احمد التجاني سيد أحمد

د. أحمد التيجاني سيد أحمد ٢ فبراير ٢٠٢٦ – روما، إيطاليا
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
ليست الحرب الجارية في السودان اليوم حدثًا استثنائيًا ولا انفجارًا مفاجئًا، بل حلقة جديدة في مسارٍ طويل لدولة وُلدت بالعنف، وأدارت المجتمع بمنطق الإخضاع، وأعادت إنتاج نفسها عبر الحروب. وبعد تتبّع شهادة ميلاد الدولة العنيفة، يصبح من الضروري النظر إلى كيف اشتغل هذا العنف تاريخيًا على الأرض والإنسان، وصولًا إلى ما نعيشه الآن.
في هذا المسار، لم يكن العنف السياسي وحده هو الأداة، بل جرى استخدام إعادة تشكيل الجغرافيا البشرية كوسيلة حكم. هكذا غُرِق النوبيون مرتين بين ١٩٠٢–١٩٣٣ و ١٩٦٠–١٩٧١، حين اقتُلعت بلاد النوبة من الوجود باسم السدود والتنمية، ودُفِن التاريخ والهوية تحت الماء. لم يكن ذلك خطأً تنمويًا، بل قرارًا سياسيًا بإزاحة شعبٍ كامل من أرضه.
ثم انتقل المنطق نفسه جنوبًا، حيث خاض الجنوبيون حربًا طويلة استهدفت الإنسان والمجتمع والهوية، لا لإدارة تنوّع، بل لإخضاعه. انتهت تلك الحرب بالانفصال، لا كحلّ، بل كنتيجة طبيعية لدولة لم تعرف المواطنة إلا كتهديد أمني.
بعدها أعادت الدولة العنيفة إنتاج ذاتها غربًا، في دارفور وجبال النوبة بكردفان، حيث تكرّر النموذج بأدوات أكثر وحشية: نزع الأرض، تسليح الانقسام الاجتماعي، تحويل القبيلة إلى سلاح، والمجتمع إلى ساحة إبادة. لم تكن تلك الحروب خروجًا عن الدولة، بل تجلّيها الكامل.
وحتى الحراك الطبيعي للجماعات الرعوية، الذي كان جزءًا من توازنات تاريخية قديمة بين الناس والأرض، جرى إدخاله قسرًا في ماكينة الدولة العنيفة. فبدل إدارة الموارد والعيش المشترك، جرى تسليح الفقر، وتسييس الهوية، وتحويل البحث عن الماء والكلأ إلى صراع دموي دائم.
من هذا التاريخ غير المحاسَب خرجت الحرب الجارية الآن. فهي ليست صراعًا بين جيشين، ولا أزمة انتقال سياسي فاشل، بل ذروة منطق دولة ترى المجتمع خطرًا، وتتعامل مع الأرض بوصفها موردًا، ومع الإنسان بوصفه قابلًا للإزاحة. لذلك تتكرّر المجازر، ويتوسّع الخراب، لأن أصل المشكلة لم يُمسّ بعد.
إن وقف الحرب لا يمكن أن يتحقق عبر تسويات عسكرية أو إدارات مؤقتة للأزمة، بل عبر كسر منطق الدولة العنيفة نفسه، والانتقال إلى تأسيس سياسي جديد، يعيد تعريف الدولة بوصفها عقدًا مع المجتمع، لا آلة قهر عليه.




